المعايير المتبعة لتثبيت الأساتذة في الجامعة اللبنانية

Censorship2

أصدر وزير التربية والتعليم الواطي بياناً أقر فيه المعايير المتبعة لتثبيت الأساتذة في الجامعة اللبنانية، وقد جاء فيه ما يلي:

- على المرشح أن يتمتع بالحياة، بالطقس، بالطعام، بطبيعة لبنان الخلابة … لكن إذا كان لديه سوابق مطلبية وخاصة إذا كان مش مرتبط بولا زريبة .. إيه يا عيني عليه أن يتمتع بالصبر وأن ينتظر الفرج لعله يتثبت في الجنة والله أعلم.

- كل المرشحين الذين لديهم إنتاج علمي من دراسات في مجلات علمية إلى كتب ومؤتمرات وخبرة طويلة في التعليم مرحب بهم طبعاً .. لكن للصراحة كل هل تعفيس مش مهم .. أهم شي الأخلاق.

- لا مكان لي ما يسمى بالواسطة في هذا الصرح الأكاديمي .. هناك مكان للأرجلة، للتلطيش، للبعبصة ولأكل الهوا طبعاً.

- على المرشح أن يكون صاحب خيال واسع، يعني واسع لدرجة إنه شو ما صار لا بهش ولا بنش، ويجب أن يكون لديه القدرة على إمتصاص طموح الطلاب ودعس كل أحلامهم، خاصة تلك المتعلقة بوطن أفضل.

- لا مجال للمطالبة بتطوير البحث العلمي إلا في قطاع السياحة والسفر. إنه يعني من باب التشجيع على الهجرة، غير هيك كل واحد يبحث ببيته.

- لا تُقبل الطلبات الغير مرفقة بدعم معنوي من شي بغل طائفي أو شي زعيم حزب معفن  .. كل لي بدو يتبدأن ويعملي فيها وطني إيه يروح يتثبت عند إمو.

أخيراً عزيزي المرشح، إذا لم تتوفر لديك أي نقطة من النقاط المذكورة أعلاه، ننصحك بتقديم طلبك لستار أكاديمي ولك كل الدعم من وزارة التربية مباشرةً.

أفكار وملاحظات

matisse

جدلية الأخلاق والسياسة

الأخلاق كمفهوم، يتنوع بتنوع البنية الفكرية التي تنتجه، لذا ليس هناك من تعريف مطلق وموحد للأخلاق. هذه العلاقة الحتمية بالبنية الفكرية تُحتم العلاقة بالسياسة. فالسياسة هي مجموعة آليات عملية تُوضع في خدمة أيديولوجيا محددة. هذه الأيديولوجيا تُعرّف مجموعة معايير ومبادئ يمكن تسميتها بالأخلاق أو دعنا نقول بأن هناك تقاطع كبير بين أي أيديولوجيا وبين منظومتها الأخلاقية الخاصة بها والتي تؤثر في السياسة بشكل حتمي. لهذا، القول بأن السياسة منفصلة عن الأخلاق كالقول بأن الأخلاق كتلة واحدة ثابتة، منفصلة عن الأيديولوجيا، لا تتغير … وهذا غير صحيح أبداً.

قانون صراع الأضداد .. واقع موضوعي

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، إشتهرت مقولة جورج بوش الإبن في أوساط المثقفين والتي تقول بمعنى "من ليس معنا فهو ضدنا". طبعاً معظم هؤلاء عارض هذه المقولة بإعتبارها تحد من حرية التعبير وتجعل من الصراعات السياسية، صراعات ثنائية الأبعاد، لا مجال فيها لحرية الفكر. المشكلة ليست في البعد الثنائي لهذا المنهج، لأن صراع الأضداد هو واقع موضوعي أي لا يخضع لتقييم ذاتي، تماماً كأي قانون فيزيائي أو بيولوجي. المشكلة تكمن في تحديد الأضداد السائدة؛ في مقولة بوش مثلاً، يجب الإختيار بين نيوليبرالية تعتمد على نظام الغاب وبين إسلام أصولي تكفيري يعود بنا إلى ما قبل القرون الوسطى. هذه الأضداد التي يغذيها المسيطر لا تلغي قانون صراع الأضداد بقدر ما تشوه التعريف الموضوعي والعلمي لكل ما هو نقيض. لذا المشكلة هي في تحديد الأضداد التي تشكل محور كل فكر وحدوده وليست المشكلة في قانون صراع الأضداد نفسه.

تكوّن النقيض السياسي للبرجوازية

إن تكوّن النقيض السياسي للبرجوازية في المجتمعات التي عرفت فيها الأخيرة طوراً صاعداً، أي كانت فيها ثورية (أوروبا مثلاً)، هو أمر أسهل موضوعياً من المجتمعات التي لم تعرف فيه هذه الطبقة أي طور صاعد، كبلادنا العربية. لتوضيح ما أقصد "بالأسهل" سأذكر مثل الإنتخابات الرئاسية الأخيرة في فرنسا والإنتخابات النيابية في اليونان، حيث ما يسمى باليسار الراديكالي حقق تقدماً تاريخياً في سيرورة النضال الجماهيري (بالرغم من كل حملات التشويه التي شنها الإعلام وما زال، كالمقارنة الوقحة بين النيو نازية واليسار والتي تهدف إلى وضعهم بنفس الخانة وكأنهم يتماثلون فكريا"). يمكننا أن نلمس إمكانية إستعاب هذه الأنظمة لتكوّن قوى سياسية نقيضة لها وهذا أمر موضوعي أي بنيوي لا يخضع لقرارات ذاتية. بينما في بلادنا العربية، يمكننا أن نلاحظ شراسة الأنظمة، في مصر، سوريا، البحرين، اليمن وليبيا مثلاً، لصد أي محاولة جماهيرية يمكن أن تُشكل في المستقبل حركة سياسية يمكنها أن تهز عرش البرجوازيات التابعة. مما لا شك فيه، بأن سيرورة النضال أصعب في بلادنا، لكن التاريخ أثبت بأنه لا يخضع لقوانين المسيطر وحده وإن نجحت في تكبيله لفترة معينة.   

عندما يحلل الفاشستي …

يُحلل الفاشستي في سبب الأزمات تارةً وفي التاريخ تارةً أخرى وفي الحالتين يصل إلى نتيجة واحدة: العودة إلى الجذور ونبذ كل ما هو غريب ومختلف، لأن في الإختلاف تجدد وفي التجدد مقتله. يُبرر فاشيته ويقول لك كُن واقعيّ، من البداهة أن نحمي أنفسنا أولاً. تعصب لأمتك، وطنك، ثقافتك، دينك أو طائفتك، العصبية هي الحل، هي الضمان للبقاء. يُلونها، يُزخرفها، يُعطيها أسماءاً كثيرة، كالحفاظ على الديمقراطية، الهوية الوطنية أو القومية، الحضارة أو العيش المشترك. يشوّه الواقع، يعمل على إبراز نفسه بأنه معادي للسائد وهو في الواقع جانبه الأكثر ظلامية، هو رصاصته الأخيرة. ليس لديه أي مانع من أن يبخ سمومه في المجتمع، فهذا لا يتعارض مع منظومته الأخلاقية، لكن عندما تصفه بما هو عليه فعلاً وتعرّي أفكاره البغيضة، يتهمك فوراً بأنك غير أخلاقي ولا تحترم الرأي الأخر… فعلاً، عندما يتكلم الفاشستي، فليذهب الرأي الأخر وكل من يدافع عنه إلى الجحيم .. لهؤلاء مكان واحد يليق بهم: مزبلة التاريخ.

حادثة تولوز .. رؤية مغايرة

Butterfly-effect

تعددت ردات الفعل على حادثة تولوز في الشارع العربي والإسلامي. منهم من رفض هذه الحادثة وإعتبرها لا تمت للأخلاق الإسلامية بصلة، ومنهم من إعتبر بأن الأمر لا يعنيه أساساً بحيث أن هناك أطفالاً يستشهدون كل يوم في فلسطين ولا يسأل أحد عنهم، ومنهم من تمادى في تحليلاته الخارقة وإعتبر بأن الضحايا ينتمون إلى الدين اليهودي (مع العلم بأن هناك ضحايا من أصول عربية وإسلامية) وبالتالي إنهم يساعدون الكيان الصهيوني، فلا بأس بقتلهم بهذه الطريقة ولا أسف.

حسناً، أي موقف سياسي لا يأتي من العدم، أو "بالصدفة"، هناك دائماً بنية فكرية تنتجه:

الفكر القومي الكلاسيكي والتيارات الأصولية الدينية، يكرسون دعاية الكيان الصهيوني، حول الهوية الدينية للصراع العربي الإسرائيلي، فيتحول الصراع من صراع ضد الكولنيالية والفاشية إلى صراع بين أديان وحضارات. هذا التحوير يُشرعن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وجود الكيان الصهيوني. فلا يمكن مواجهة العنصرية بعنصرية من نوع أخر، لأن في هذا عقم منهجي ودخول في دوامة مفرغة لن نقدر أن ندرك من خلالها، أن مواجهة الكولونيالية (القائمة على إدعاء التفوق الحضاري) ثقافياً وعسكرياً، لا يمكن أن تكون من خلال بث العداء لعرق أو دين معيّن وإلاّ تماثلنا معهم أيديولوجياً وسقطنا في لعبتهم التي يجيدون لعبها جيداً.

الفكر الليبرالي، فكر السائد والبدهي، فكر المنهج التجريبي العقيم، يرفض بتاتاً أي صلة لهذه الحادثة وتوقيتها بالإنتخابات الرئاسية الفرنسية. بالنسبة لهذا الفكر، التاريخ عبارة عن مجموعة أحداث، ليس بالضرورة أن تكون مترابطة وهو (أي التاريخ) ليس بمجموعة علاقات تنتجها صراعات وتناقضات موضوعية، تخضع لقوانين معقدة ينتج عنها أحداثاً لا يمكنها إلاّ أن تكون مترابطة بحكم الجبر الحديدي للمنهج المادي الجدلي. الأصولية الدينية قررت أن تضرب في هذا التوقيت تحديداً، آوه يا للصدفة !

رؤية مغايرة

هناك قرار سياسي بتحييد البوصلة المتجهة يساراً قبل الإنتخابات الفرنسية. مصلحة الألغارشية الأوروبية تقتضي بتفعيل الحل الأمني لكي يتقدم على المطالب المعيشية والإجتماعية وخاصة في ظل الأزمة المالية وخطط التقشف التي تجتاح أوروبا.

هذا التحليل لا يعني بأن منفذ العملية قام بذلك نصرةً لليمين الفرنسي!

منفذ العملية كان يعاني من فقدان هوية ثقافية واضحة المعالم، فهو لا ينتمي تماماً للهوية الثقافية العربية الإسلامية بحكم ظروفه العائلية الصعبة التي لم تسمح له بالتعرف على جوهر هذه الهوية وبالمقابل هو لا ينتمي إلى الهوية الفرنسية بمعنى المواطنة، لأنه مهمّش، يعاني من مجموعة أحكام مسبقة ومنبوذ إجتماعياً. هذه ليست حالة فردية، إنها حالة سوسيولوجية عامة تخص الأحياء المهمشة الفرنسية وتحديداً المواطنين من الأصول المغربية. هذا الواقع السوسيولوجي، يخلق بيئة قابلة جداً للإنزلاق إلى التطرف الديني الأصولي، لأنها تجد بها هويتها المفقودة. هنا يأتي دور الحركات السياسية الأصولية، وإستغلالها لهذه الظروف لتجنيد بعض الشباب من خلال التقديم لهم لهوية رجعية، لا تمت لجوهر الدين الإسلامي بصلة وإن إدعت إنها الوحيدة التي تمثله خير تمثيل. هذه الحركات السياسية تعمل في خدمة أجندات تمولها الطغمة المالية، لكي تستعملها عند الحاجة.

لن يتوانى النظام الرأسمالي عن إستعمال كل الأدوات اللازمة للخروج من أزمته، إن كان من خلال دعمه للتيارات الدينية الأصولية لقيادة الثورة المضادة في البلاد العربية أو  من خلال حملته الممنهجة لتعزيز "الإسلاموفوبيا" وخلق إنقسامات أفقية لدعم الحكومات ذو التوجه اليميني في أوروبا. حادثة تولوز تأتي في هذا السياق، إنه صراع أيديولوجي، ستزداد شراسته بإزدياد حدة أزمة النظام، بين من يريد نشر الظلامية بنكهتها الدينية الأصولية والقومية المتعصبة وبين صرخات الجماهير في الباستيل في باريس وسيدي بوزيد في تونس والمنامة في البحرين وحمص في سوريا؛ إنه لصراع شامل كل أرجاء هذا الكوكب المريض.

الهندسة الفراكتالية والمجتمعات البشرية

تعريف الهندسة الفراكتالية

الهندسة الفراكتلية أو الكسورية تهدف إلى دراسة الأشكال الهندسية المؤلفة من كُسَيْريات غير منتظمة ومعقدة والتي لا يمكن دراستها من خلال الهندسة الإقليدية الكلاسيكية. مصطلح الفراكتال مأخوذ من الكلمة اليونانية fractus أي الغير المنتظم والمكسور، إستعمله للمرة الأولى في الرياضيات الباحث الفرنسي الأمريكي من أصول بولندية، بينوا مانديلبرو (Benoit Mandelbrot) سنة 1974 والذي يُعتبر مؤسس الهندسة الفراكتالية [1].

أمثلة عن الأشكال الفراكتالية

من أهم خصائص الأشكال الفراكتالية هو تكرار بنيتها الهندسية (self similarity) إلى ما لا نهاية مهما إختلف المقياس (scale) مما يؤدي إلى تشابه الجزء للكل. من إحدى الأمثلة البسيطة عن الفراكتال هو ما يُسمى بمجموعة كانتور(cantor set)، حيث يمكننا أن نلاحظ في الرسم رقم ١، سلسلة عمليات الحذف من الخطوط المستقيمة. في كل مرحلة يتم حذف الثلث الأوسط من الخط ويتم تكرار هذا إلى ما لا نهاية.

cantor set

رسم ١: مجموعة كانتور

نلاحظ من الرسم رقم ١ التشابه الذاتي مهما إختلف المقياس، وكلما كررنا هذه العملية كلما زاد الرسم تعقيداً، بالرغم من بساطة العملية التي يتم تكرارها. وصف بنية هذا الرسم من خلال معادلات هندسية كلاسيكية، كالطول والمساحة هو أمر غير ممكن (لن ندخل بالتفاصيل الرياضية هنا وخاصة إنها لا تشكل الهدف الأساسي من الموضوع).

يمكننا أن نشاهد في الرسم٢ (إضغط على الصورة)، مثل أخر عن الهندسة الفراكتالية من خلال مقاربة شكل ندفة الثلج من خلال الإستعانة بمنحنى فون كوخ :

Von_Koch_curve رسم ٢: ندفة ثلج (koch snowflake)

هنا أريد أن أذكر ملاحظة بسيطة حول هذا المثل (رقم ٢) وقانون الدياليكتيك حول التحولات الكمية والكيفية. نلاحظ بأن من خلال مثلث بسيط ومن خلال تكرار عملية رياضية بسيطة، حصلنا على شكل معقد يقارب إلى حد بعيد شكل طبيعي معروف، والذي يمكننا إعتباره التحول الكيفي من بعد عدة تراكمات كمية..

الفيديو القصير التالي، يبرز عدة أمثلة عن الأشكال الفراكتالية الموجودة في الطبيعة :

 

فيديو ١:الفراكتال في الطبيعة

حسناً، الفراكتال مقاربة هندسية للطبيعة، من البكتيريا إلى المجرات. لكن ما فائدة كل هذا ؟

مقاربة الواقع الموضوعي من خلال معادلات رياضية يعني تملك هذا الواقع معرفياً، مما يسمح بإعادة إنتاجه في ظروف سهل التحكم بها وبالتالي التنبؤ بحركة تطوره وتغييرها إذا إقتضت الحاجة. ولا يجب أن ننسى خاصية التشابه في الفراكتال بحيث إذا فهمنا منطق شكل هندسي معيّن أو دينامية حركة معيّنة في مقياس محدد، يمكننا أن ننتج معرفة أعمق وأشمل عن هذه الحركة أو الشكل، من خلال إستعمال هذه الخاصية (أي التكرار والتشابه).

الفراكتال والمجتمعات البشرية

فيما يخص الفراكتال وعلاقته بالعلوم الإجتماعية، دراسات عديدة أُجريت، سنذكر بعضها هنا (لتكوين فكرة عامة فقط): دراسة حول تصرفات الفرد وديناميكية العلاقة مع محيطه[3]، أنظمة التنظيم الذاتي – [3] Self-Organization نخص بالذكر هنا العلاقة المستوحاة من مجتمع النمل والنحل (يمكننا معالجة هذا الموضوع المهم لاحقاً). مثل أخير عن بنية فراكتالية لمجتمع بشري، هو كيفية تنظيم القُرى لدى قبائل البا-إيلا (Ba-ila) الأفريقية. يمكننا أن نرى من خلال الرسم رقم ٣، صورة مأخوذة من الجو لقرية تعود لهذه القبيلة وبجانبها صورة توضح المقاربة الفراكتالية لهندسة هذه القرية (شكل التنظيم هذا لديه أسباب موضوعية متعلقة بعلاقة هذه القبيلة مع الطبيعة وبتأثير بعض الطقوس الروحانية):

Fractal_Ba_ilaرسم ٣: مقاربة فراكتالية لقرية قبيلة أفريقية[2] 

  • رؤية ماركسية

ما أود التركيز عليه أكثر هنا، هو العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية. الواقع الطبقي لهذه المجتمعات يُحتم وجود علاقات إستغلالية بين من يملكون وسائل الإنتاج وبين من لا يملكون إلا قوة عملهم، وهذه العلاقات تأخذ منحى أكثر تعقيداً عندما تتداخل عوامل أخرى تخص البنية الإجتماعية الفوقية كالطائفة أو الدين أو لون البشرة… لتوضيح العلاقة* بين الهندسة الفراكتالية وهذه العلاقات الإستغلالية سأتناول المثل التالي:

لنفترض بأن هناك فرد سنسميه هنا "أ"، يعيش في دولة رأسمالية متقدمة، ولنفترض بأن المدعو "أ" ينتمي إلى الطبقة العاملة، بحيث إنه يعتاش من معاشه الذي يتقاضاه نتيجة عمله في مصنع للسيارات. العلاقة بين النظام وهذا الشخص هي علاقة إستغلالية، لأن بكل بساطة مدير هذا المصنع لن يقل معاشه عن مئات أضعاف هذا العامل (التقدير مستوحى من دراسات حديثة) هذا إذا أردنا فقط أن نعمل مقارنة بسيطة من دون الدخول بتفاصيل فائض القيمة وغيرها من الأمور التقنية. لنفترض الأن بأن الإنسان "ب" يعمل بنفس المصنع مع العامل "أ" لكن سنضيف هنا العامل الجندري، بحيث سنعتبر "أ" رجلاً و"ب" إمرأة. يمكننا القول بأن "ب" تتعرض لنفس طبيعة الإستغلال من قِبَل هذا النظام لكن بدرجة أكبر نتيجة الواقع الأبوي المتلازم مع نمط الإنتاج الرأسمالي، وما يترتب عليه من ضغوطات تتعرض لها المرأة، كعدم المساواة في الراتب مثلاً بالرغم من قيامها بنفس الوظيفة (وهو أمر واقعي في كل الدول الرأسمالية "المتقدمة). لنفترض الأن شخص يُدعى "س" هاجر بطريقة غير قانونية إلى هذا البلد باحثاً عن عمل، درجة إستغلال هذا الشخص أكبر من الحالتين "أ" و "ب"، لكنها نفس البنية الإستغلالية وهنا نقدر أن نستمر ونفترض شخص مهاجر أخر لكنه إمرأة أو من لون بشرة مختلفة أو دين مختلف أو عرق … إلخ

بنية العلاقة الإستغلالية المرتبطة بالعامل بإختلاف ظروفه من جهة، وبرب العمل من جهة أخرى، متشابهة بنيوياً (self similarity) وإن إختلف المقياس صعوداً أو نزولاً (zoom in, zoom out) فهذا لن يؤثر على طبيعة هذه البنية وهيكلها الهندسي إذا صح التعبير، بل على درجة الإستغلال من حيث الكَم وليس النوع. من هنا مقاربتي الفراكتالية لبنية العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية.

خلاصة

المجتمعات البشرية هي جزء من الطبيعة، ودراسة حركة هذه المجتمعات وتطورها هو أمر معقد وليس بالسهل أبداً. كما أن المدارس التي تتناول العلوم الإجتماعية بشكل منفصل عن العلوم الطبيعية، هي مدارس يمكنها أن تُفسر بعض الظواهر الإجتماعية بشكل وصفي أو بمنهج تجريبي سطحي، يعتمد على مفاهيم كلامية لا تستند إلى أي معايير علمية. فهم حركة المجتمعات البشرية وبنيتها، كجزء من الطبيعة، يستدعي حتماً مرحلة من التجريد لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال أدوات علمية محددة. الهندسة الفراكتالية، نظرية علمية أثبتت فعاليتها في مقاربة الواقع في عدة مجالات، لكن إستخدام الأدوات العلمية لا يمكن فصله عن هدف هذا الإستخدام وخاصة إذا كان الأمر متعلق مباشرة بالمجتمعات البشرية. لذا، كماركسي أقول: على الفلسفة الماركسية أن تجدد أدواتها العلمية بإستمرار لتنتج معرفة هي وحدها الكفيلة ببناء واقع أفضل وأكثر إنسانية.

*هذه الرؤية ينقصها الكثير من البحث وهي لا تتعدى مجرد إفتراض شخصي في الوقت الراهن

References

[1] Mandelbrot, B.B. (1982). The Fractal Geometry of Nature. W.H. Freeman and Compan

Ron Eglash, Toluwalogo B. Odumosu, “Fractal Complexity and Connectivity in Africa”, Rensselaer Polytechnic Institute, 2005 [2

[3] 2010 ,Clifford Brown and Larry Liebovitch, Fractal Analysis: Quantitative applications in the social sciences

في نقد اليسار في لبنان (١)

في النقد

لا يمكن فصل النقد عن الناقد، حتى ولو كان النقد موضوعياً. للناقد بنية فكرية ينتمي إليها، منها ينطلق في النقد ولصالحها، لهذا من السطحية الإعتقاد بإمكانية الفصل هذه.

من ناحية أخرى، إذا كان النقد موضوعياً، أو يلامس جزء من الواقع الموضوعي، من السذاجة عدم الإكتراث له وخاصة من المعنيين في هذا النقد، لكن إذا كان الناقد ينتمي إلى بنية فكرية مختلفة، على المعنيين إعادة إنتاج النقد من موقع النقيض الفكري للناقد، في محاولة لوضع حلول عملية للمشكلة المطروحة بدل من التصفيق والترويج لنقد وصفي، غير علمي، لا يعالج جذر المشكلة.

واقع الأحزاب اليسارية

من الواضح بأن لا يوجد أحزاب ثورية في لبنان، هناك دكاكين تبيع كليشهات الثورة وتتاجر بها. مقاربتي لهذه الأحزاب لا تختلف كثيراً عن مقاربتي للأنظمة العربية السائدة؛ منظومات سياسية ترفع رموز براقة وتحتكرها لتؤبد واقع يصب في مصلحتها. التيار السائد داخل هذه الأحزاب وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني، هو تيار يمثّل الخط السياسي والأيديولوجي للبرجوازيات العربية بشكل عام ببعدها الأيديولوجي القومي الكلاسيكي. هذا النهج، المسيطر منذ عقود والذي تعزز بالعقدين الأخيرين بدعم من أنظمة البرجوازيات العربية (خاصة النظام السوري) هو الذي يحدد المصلحة الطبقية لهذه الأحزاب “الإصلاحية” ويحتّم عدم ثوريتها.

واقع القاعدة اليسارية

لا يمكن فصل المشاكل التي تعاني منها القاعدة اليسارية في لبنان عن واقع أحزابها المهترئة وعن واقع البنية الإجتماعية اللبنانية بشكل عام. أحد أبرز ما يميّز هذه البنية هو ما يسمى بالنفاق الإجتماعي الشمولي السائد، ومن أهم خصائص هذه الظاهرة هو الأيديولوجية اللفظية التي تتغنى بالأخلاق والمبادئ، شيوعية كانت، دينية أو ليبرالية، لا يهم. المهم هو إنها أيديولوجية لا تُمارس عملياً من قبل القاعدة المعنية إلاّ في إطارها اللفظي وفي إطار بعض العادات والتقاليد الشكلية. أغلب الذين يعانون من هذه المشكلة يستميتون بالدفاع عن أحزابهم، إمّا من باب الإستفادة المباشرة أو من باب الجهل أو من باب الحنين إلى ماضي مشرّف.

على صعيدٍ أخر، التيار المعارض في أوساط اليسار يمكن تقسيمه إلى فريقين؛ فريق يعتقد بأن التغيير يجب أن يأتي  من خلال الأحزاب السائدة نفسها، بعد القيام بعملية إصلاحية شاملة، وفريق أخر (أؤيده الرأي)، يدعو إلى دفن هذه الأحزاب والعمل على خلق حركات ثورية تستقي برامجها من خلال الإحتكاك بواقع الطبقة التي يدافعون عنها. هذا الإختلاف بالآليات هو إختلاف جيّد، على أن لا يتحول إلى أداة جديدة لتكريس الإنقسامات في صفوف القاعدة.

خلاصة (١)

الترويج لنصوص نقدية ومفاهيم تم إنتاجها في بُنى فكرية معادية للموقع الطبقي لليسار لا يصب في خانة النقد العلمي وإنما في خانة اليأس والتفتيش عن حلول بإستعمال أدوات معرفية هي بذاتها تتناقض مع الهدف الذي نسعى من أجله.

على صعيدٍ أخر، يجب معالجة المشاكل والظواهر الإجتماعية السائدة في صفوف القواعد اليسارية كجزء لا يتجزأ من مشاكل البنية الإجتماعية للنظام اللبناني مع الحرص على عدم الإنجرار إلى لعب دور الواعظ الأخلاقي. الإختلافات الثانوية لا يجب أن تتحول إلى معارك جانبية لا تنتهي، الأفراد في المجتمعات البشرية كالسنونو؛ لن يصلوا إلى هدفهم منفريدين، الطريقة الوحيدة للوصول هي التنظيم الجماعي. هذا القانون البيولوجي-الفيزيائي ينطبق على النضال السياسي وعلى عملية إنتاج حلول وأفكار لوضع خطط عملية تساهم بالوصول إلى الهدف.

“الشعب” مصطلح مائع بحاجة إلى تصويب

Shadr-stone-proletariat

لا يخلو خطاب أي مسؤول سياسي في البلاد العربية أو غيرها من كلمة “شعب” والتي تأتي غالباً في إطار تفخيمي؛ كلهم من دون إستثناء يريدون مصلحة الشعب، العظيم طبعاً!

لفهم ما المقصود من هذا المصطلح الشهير يجب أن نعود إلى الخلفية الفكرية لمستخدميه. فالشعب، بعكس ما يعتقد البعض، مصطلح يحتمل عدة تأويلات .

- في لبنان مثلاً، غالباً ما يخاطب الزعيم طائفته من خلال كلمة شعب، التي يحرص على تمثيلها سياسياً كطائفة وليس كجزء من الشعب بالمعنى الوطني الجامع وإن إستعمل مصطلحات مثل “العيش المشترك” و”إخواننا في الوطن” وما إلى هنالك من خزعبلات.

- في ثقافة الأنظمة العربية السائدة، أنظمة العائلة المقدسة، ينحصر عندها مفهوم الشعب بالتبعية لهذه العائلة وحزبها الحاكم، وكل من يخرج عن بوتقة الحزب لا ينتمي للشعب وسيتعرض حتماً لحملات شتم وتخوين.

- التيارات الإسلامية السائدة في البلدان العربية (تيارها الأساسي المتمثل بالإخوان المسلمين)، الوجه الأخر للأنظمة البائدة أو التي في طريقها إلى السقوط، يرتبط مفهوم الشعب عندها بكل من يقبل بالشريعة الإسلامية كقانون إلهي يُسيّر المجتمع. كل من يعترض فهو كافر أو زنديق.

القاسم المشترك بين جميع هذه التيارات الفكرية هو بنيتهم الإقتصادية المتماهية مع السياسات النيوليبرالية. مما يؤمن إستمرارية الواقع الحالي المتخلف في البلاد العربية،حيث التخلف كمفهوم مرتبط مادياً بواقع إنتاجي تبعي وغير منتج. نتيجة هذا الواقع تحديداً، إندلعت الثورات العربية معلنةً تفجير التناقضات الداخلية وإنطلاق سيرورة ثورية لا نشهد إلاّ بداياتها الأن.

- على صعيدٍ أخر، في أوروبا، العلاقة بين المواطن والدولة لا تمر عبر الطائفة أو الحزب أو العائلة بل عبر مجموعة قوانين ومؤسسات. عندما يخاطب مسؤول سياسي الشعب يقصد كل من هو حائز على جنسية البلد المعني، حيث الجميع لديهم نفس الحقوق والواجبات في إطار ما يُسمى بالمواطنة. لكن لا يجب أن ننسى بأن الشعب هنا – في هذا السياق – هو جوهر قائم بذاته؛ أي أن كل التناقضات الموضوعية بين فئات هذا الشعب تُلتغى أو تُميّع وهنا المشكلة. المواطنة تعكس جزء من البعد الإجتماعي والسياسي لعلاقة الفرد بالمجتمع، لكن لا يكتمل تحديدها الموضوعي إلا بتحديد واقع بنيتها الإنتاجية. إنها تُفرّغ من بعدها العلمي والإنساني عندما لا تأخذ بعين الإعتبار الفروقات الطبقية بين أفراد المجتمع.

في فرنسا مثلاً، ساركوزي الذي يمثل تيار من اليمين الفرنسي، يخاطب شعبه كرئيس شركة خاصة يُريد إقناع الموظفين بأن سبب الأزمة المالية هو ضعف الإنتاج الذي يتحملون هم مسؤوليته (أي شعبه)، وفي المقابل يُجرد الفرنسيين من مكتسباتهم الإجتماعية لمصلحة البنوك والشركات الإحتكارية. هذه المكتسبات أتت نتيجة نضالات وتضحيات الطبقات الشعبية وعلى رأسها الطبقة العاملة. بإسم المواطنة، يحرص على وضع دليل "كيف تكون فرنسياً جيداً" من خلال إثارته عدة قضايا تبرز التناقضات الثانوية بين المواطنين لإستكمال عملية النهب الممنهج، التي يرأسها هو لمصلحة الألغارشية الفرنسية.

الخلاصة

أي خطاب يتوجه إلى الشعب، أي شعب، يهمل التناقضات الطبقية هو خطاب مشبوه. الخطاب السياسي تُحركه خلفية أيديولوجية محكومة ببنيتها الفكرية. مصطلح شعب تحديداً، هو مصطلح مائع ما لم يتم ربطه ببنية فكرية معينة. لذا من يدّعي الحرص على حق الشعوب، عليه أن يكون حريصاً بالدرجة الأولى على إزالة مسببات العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية. من المستحيل أن يتم هذا الأمر، إلاّ برؤية طبقية لهذه المجتمعات وإنحياز تام للطبقات المُستَغَلة لتحصيل حقوقها، هذا الإنحياز يُترجم سياسياً من خلال وضع آليات عملية لتحصيل هذه الحقوق من ناهبّي الثروات ومتسلّقي الثورات، هؤلاء لا ينتمون إلى أي شعب أو عرق أو وطن أو دين؛ منطق رأس المال هو محركهم وإلههم الواحد أحد.

لا يعوّل عليه

kandinsky2 kandinsky

- إن لم يكن الحقد طبقياً، فهو حقدٌ من أجل الحقد، لا يعوّل عليه.

- إن بقيّ الفكرُ أسيراً للأضداد السائدة، فهو فكرٌ سلبيٌ، لا يعوّل عليه.

- إن لم يقود الدولة عمّالها وصانعّي خيراتها، فهي عصابة سرقة، لا يعوّل عليها.

- الفكر الذي يستكين بحجة أن المطلق لا ولن يُدرَك، هو فكرٌ رجعيّ، لا يعوّل عليه.

- المنهج الذي يستقي من البديهيات معاييره، هو هو المنهج السائد، لا يعوّل عليه.

- كل فكر يحتكر العلمية، هو فكر عشائري، لا يعوّل عليه.

- التعميم في غياب المطلق النسبي، هو غباء، لا يعوّل عليه.

- الحزب "الثوري" الذي يتقمص أمراض السائد، هو حزب ميّت، لا يعوّل عليه.

- كل فكر تغييري لا يعيّ صراع الأضداد، هو فكرٌ هلاميّ، مصيره اليأس من الواقع، لا يعوّل عليه.

- الفكر الذي يبقى في فضاء الفكر ولا يحفر في الواقع ليجدد مفاهيمه وأدواته النظرية والمادية، هو فكر من أجل الفكر، لا يعوّل عليه.

أرسلت فى فكر . تعليق واحد »

لينين لن يقوم من قبره

هذا الموضوع هو محاولة للتفكير بصوتٍ عالٍ حول المواقف التي نتبناها كيساريين – خارج إطار المواقف الرسمية للأحزاب وقياداتها التي لا تعنيني والحمد الله – حول الثورات العربية وخصوصاً سوريا، هو محاولة لنقد هذه المواقف التي أرى بعضها خاطئ من وجهة نظري التي تحتمل الخطئ هي الأخرى.

أدت الثورات العربية إلى إنقسامات حادة في الشارع العربي وخصوصاً عندما إمتدت الموجة الثورية إلى سوريا. وصلت حِدة هذه الإنقسامات إلى أصحاب المبادئ المشتركة وأعني هنا خصوصاً، اليساريين منهم، رفاق الفكر.
غياب مشروع تغييري واضح المعالم هو أكثر ما يُخيف البعض. نعلم جميعاً بأن معظم الأحزاب اليسارية في العالم العربي ومنها سوريا، غير مؤهلة لقيادة أي مشروع ثوري أصلاً، لكن هذا لا يكفي برأيي لكي نتريّث في أخذ موقف واضح منحاز للمتظاهرين الذين يطالبون بأدنى حقوقهم الإنسانية. التاريخ في لحظاته الثورية لا يعترف بحلولٍ وسطى، في اللحظات الثورية يبرز التناقض الحقيقي جلياً، بهياً في بنيته الإجتماعية، فالحلول الوسطى كتفضيل السير بعملية الإصلاح الموعودة  من قبل النظام السوري هو مجرد هراء. كما أن أي محاولة لترهيب الرأي العام من خلال إستحضار تجربة العراق كمثل حيّ عن المخاوف المعلنة، هو إسقاط ليس بمحله أبداً بحيث يتناسى من يقوم به بأن هناك ثورة شعبية حقيقية في سوريا. كما أن كل من يتحمس ويصّر على هذه الذرائع، أدعوه إلى نقاشٍ عقيم حول الفرق بين حكم البعث العراقي وبين الإحتلال الإمبريالي، طبعاً أعتذر مسبقاً من ذوي القلوب القومية المرهفة.

إن لم يحاكي اليسار الشارع المسحوق ويلتفت لأولوياته فهو يحاكي النُظُم وإن إدعى الحياد بحجة غياب البديل أو بحجة أنه منخرط في سيرورة خلق البديل وأن لا وقت للتهور من قبل بعض الجماهير. لن أقول بأن هذه النظرة لسير الأمور تفتقر للعلمية؛ بحيث أن الإجتهاد بعلمية أي ظاهرة إجتماعية هو أمر غير قابل للإحتكار من قبل أحد، فالمسيطر لا يفتقر للعلمية أبداً مثلاً. لكن يمكن القول بأن اليسار إن فقد معاييره الأخلاقية فهو فاقد لشرعيته التاريخية. وإن فقد هذه الشرعية، فهو فاقد لمبررات وجوده ولن يتبقى له سوى التراث والفلكلور وما يحتويان من إسقاطات ثورية.

يُفرض على الجميع الأن معركة بين ما يُسمى محور الممانعة ومحور الإنبطاح، تُقمع الجماهير تحت ذرائع عدى منها ذريعة الممانعة وأولويات الأمة والمنطقة. من غير المقبول أبداً أن يتماهى اليسار مع هذه الأضداد وأن يتناسى الصراع الطبقي داخل كل بلد وإرتباطه بالصراع ضد العدو الصهيوني. الفكر إن بقيّ أسيراً للأضداد السائدة، هو فكرٌ سلبيٌ لا يُعوّل عليه. المعركة واضحة؛ إتجاه البوصلة يجب أن يكون نحو تأجيج الصراع الطبقي في سوريا وسائر البلدان العربية والبديل سيُخلق من خلال مخاض هذا الصراع، أي محاولة لإنتظار خلق البديل (الذي يروق لنا كيساريين) لمواكبة الشارع، هو تخلي عن واجب أخلاقي وتاريخي في آنٍ معاً. لا أحد يمثل الشارع كالشارع نفسه، لهذا على الشارع أن يخلق البديل (وهذا ما يجري) وعلى اليساريين بصفتهم جزء من هذا الشارع أن يساهموا في خلق هذا البديل، لا أن ينتظروا “الفرج”.

رفاقي، التاريخ لن ينتظر لينين لكي يقوم من قبره! لينين مات .. حقاً مات.

لا للإزدواجية في المعايير .. عليك الإختيار(٢)

في الداخل اللبناني

contradiction

- لا يمكنك أن ترفع شعاراً يتضمن الإصلاح والتغيير معاً؛ فالإصلاح يرمم السائد ويحاول تجميله أما التغيير يهدمه كلياً ليبني سائداً جديداً. عليك الإختيار إمّا الإصلاح أو التغيير.

- كيف يمكنك أن تكون مع إسقاط النظام الطائفي وأن تكون داعماً ومؤيداً لأحد رموزه في آنٍ معاً؟ فهذا الزعيم الذي تدعمه يشارك بطريقة أو بأخرى في تأبيد هذا النظام من خلال المحافظة على تبعيتك له. عليك الإختيار إمّا منطق الطوائف أو منطق الشعب.

- لا يمكنك أن تدّعي الإنسانية وأن تدعم فتاوى تحريم إصدار قانون يمنع العنف ضد المرأة بحجة مخالفة شرع الله. عليك الإختيار إمّا الظلامية أو الإنسانية.

- وكيف لك أن تدّعي الثورية وأن تنادي بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية؟ مفهوم الوحدة الوطنية بظل نظام سياسي طائفي يعني وحدة الإقطاعات السياسية* في إستغلالها للجماهير وذلك خدمة للطغمة المالية. إذن المقصود هو وحدة هذه الإقطاعات السياسية وليس وحدة الشعب اللبناني. عليك الإختيار إمّا الإقطاع السياسي ونتانته أو الثورية.

- أخيراً: كما لا يمكنني أن أتفهم موقف أي مواطن غير معادي للكيان الصهيوني وغير داعم للمقاومة لا يمكنني أيضاً أن أتفهم أي موقف مساند وداعم للنظام السوري خاصةً من قبل الذين يدّعون المقاومة ببعدها الإنساني. عليكم الإختيار إمّا الفئوية أو المقاومة.

* نبيه برّي – سعد الحريري – سمير جعجع – ميشال عون – وليد جنبلاط  …

لا للإزدواجية في المعايير .. عليك الإختيار(١)

البُنى الفكرية والمفاهيم – الحرية مثالاً (١)

La_democratie_JPA_huile_toile La démocratie, huile-collages 2005, JPA

مقدمة – أُسس نظرية:

يختلف التجريد ويتنوع بإختلاف البنية الفكرية التي تنتجه، وهذا الإختلاف يُحتّم الإختلاف في الرؤية وفي تفسير الواقع والظواهر وبالتالي يُحتّم الإختلاف في تفسير وفهم المصطلحات والمفاهيم.
يمكن لأي فئة أن تحلل الواقع وتنظر إليه بالطريقة التي تراها صائبة، بغض النظر عن صوابية رؤيتها موضوعياً. فالأمر هنا لا يقتصر فقط على الإعتراف بالواقع الموضوعي من عدمه، الأمر متعلق بالمعايير المتبعة لفهم هذا الواقع. عندما نتكلم عن المعايير سنستحضر حتماً ما يُسمى بالمنهج الفكري، الذي يحدد بدوره المعايير المتبعة، وهذا المنهج هو جزء لا يتجزأ من ما يسمى بالبنية الفكرية. البنية الفكرية هي إنعكاس للواقع وتناقضاته، وعندما نقول إنعكاس لا نعني بأن البنية الفكرية تُنتَج بشكل ميكانيكي عن الواقع، وإنما هناك علاقة جدلية بينهما؛ بحيث يؤثر الواقع في تشكيل هذه البنية الفكرية وهي بدورها تؤثر في الواقع وتغيره. الإختلاف والتنوع في الآراء أمر بديهي إذن، فالواقع متنوع ومتحرك، وهذا الأمر ينعكس بشكل واضح في البُنى الفكرية التي تختلف بدورها وتتقاطع أو تتناقض أو حتى تتماثل وإن تصارعت. يُنتج عن هذه الحركة الدائمة، أولويات مختلفة، تتجلّى بوضوح في تعريف المفاهيم وتأويلها.

ما نقوم به الأن ليس ترفاً فكرياً أو سفسطة لغوية، إنها محاولة متواضعة لترجمة واقع معيّن، نلمسه ونعيشه في حياتنا اليومية من خلال مواقف نؤيدها أو نرفضها وتمس حياتنا السياسية والإجتماعية على حدٍ سواء. تتبلور هذه المواقف من خلال البنية الفكرية التي ننتمي إليها وهي التي تحدد طريقة فهمنا للمفاهيم بصفتها ضرورية لتنظيم فهم الواقع أو هكذا يجب أن تكون.

لكي لا نبقى في الفضاء النظري، سنحاول أن نبدأ سلسلة مواضيع نتناول فيها مجموعة مفاهيم محددة وسنحاول أن نفسرها من وجهة نظر عدة بُنى فكرية بإختلاف معاييرها وأولوياتها.

الحرية

١. في بنية الفكر البرجوازي التابع* – الأنظمة العربية مثالاً:

منطق الأنظمة في الدول العربية التي يمكن تصنيفها ضمن الأنظمة البرجوازية التابعة، هو أن شعوبها غير جاهزة للحرية والديمقراطية بعد، لهذا يجب على البلاد أن تمر في مرحلة إنتقالية تتمثل في شكل الأنظمة الحالية. طبعاً هذه الأنظمة لا تحدد مهلة أو حد أقصى لهذه المرحلة، لا بل من السذاجة أن ننتظر منها ذلك، فالإنسان العربي في منطق هذا الفكر محكوم ببنيته الإجتماعية الأبوية، بنيته النفسية تُحتّم وجود سلطة أبوية تتحكم بتصرفاته وقراراته فيما يخص الأمة والوطن، النظام هو سفينة النجاة والرئيس هو ربانها، فالحرية لهذه البنية الفكرية تعني حصراً الحرية للحزب الحاكم وذيوله ولا أحد سواهما.

٢. في بنية الفكر البرجوازي الإمبريالي – الأنظمة الأوروبية مثالاً: 

منطق الأنظمة البرجوازية الإمبريالية، حيث أنظمتها السياسية يمكن تصنيفها بالليبرالية، هو أن الأولوية لحرية رؤوس الأموال وإن تحولت هذه الحرية الإقتصادية إلى عائق للحرية الفردية نفسها، لا يهم. فعندما يكون النمط الإنتاجي قائماً على مبدأ الربح السريع وتكثيف الثروات في أيدي أولغارشية مالية تتحكم بسياسة الأنظمة بشكل يخدم مصالحها الإقتصادية، وعندما تصبح هذه الطغمة ممسكة بالإعلام والمؤسسات الرسمية والمناهج التعليمية، لا يعود بالإمكان التكلم عن حرية فردية وحرية إبداء رأي بشكل مطلق. الحرية لهذه البنية الفكرية هي الحرية لرؤوس الأموال وأربابها وعندما تتعارض حرية البرجوازية مع الحريات الشعبية، فهي لن تتوانى للحظة – أي البرجوازية وأدواتها – بإستعمال وسائل قمعية مباشرة أو غير مباشرة.

حرية التعبير عن الرأي من الثوابت الإنسانية التي لا يجب التنازل عنها تحت أي حجة إن كانت، لكن فعل التعبير من دون فعل التأثير لا محل له من الإعراب، وهنا هي حدود الحرية بالمفهوم الليبرالي ولعل ما جرى مؤخراً في فرنسا والحراك الشعبي والعمالي التي لم تشهده البلاد منذ عام ١٩٦٨ والذي جاء إعتراضاً على مشروع قرار تمديد سن التقاعد الذي أصبح قانوناً سارياً الأن بالرغم من المعارضة الواسعة له، يشكل مثالاً على حدود الحرية الليبرالية التي نتحدث عنها.

٣. في  بنية الفكر البروليتاري – الثورات العربية مثالاً:

هو منطق العيش الكريم، من دون أجهزة مخابرات وأجهزة تعذيب تُهين المواطان عشرات المرات في اليوم، هو منطق الفكر الذي يرفض الإنصياع لمنطق القطيع مهما تعددت الأسباب والحجج، منطق الفكر الرافض للسجود للزعيم وحمل صوره لأخذ البركة من نظراته عند كل مطلع فجر، هو منطق الفكر الرافض لذكورية المجتمع بالمعنى الطبقي لمفهوم الذكورية، منطق الإنسان الذي يعبر عن إنسانيته ويمارسها، فينتفض على من يستغله، على من ينهب قوة عمله ويرمي له بالفتات ويجلده إذا عصى الأوامر ويخونه إذا طالب بحريته، فيصبح سلفيٌ من رجس الشيطان أو صهيوني يريد خراب الأمة. الحرية لهذه البنية الفكرية هي الحرية للعمال والكادحين والمُستغلين، الحرية لمنتجين ثروات المجتمع وخيراته، الأولوية لهم.

لم تنتظر الجماهير في البلدان العربية لأي خطة عمل أو مخلّص لكي تنتفض مطالبة بالحرية، ونجحت بهذا بكسر إطار "الأيديولوجيات الخشبية"- وإن كنت أرى تعارضاً بين مفهوم الأيديولوجيا كعلم الأفكار وصفة “خشبية” (سنعالج هذه النقطة في موضوع منفصل) – لكن المقصود هو من يدعي أنه يمتلك خارطة طريق لثورات الشعوب، أو من يرفض تسمية ما يجري بالبلدان العربية بالثورات فقط لأنها لا تناسب المواصفات التي يؤمن بها أو لا تناسب مصالحه الفئوية الضيقة، فيحتكر العلمية والثورية و المقاومة، مرصعاً علمه بالمنجل والمطرقة كان أم بالثورة الإسلامية، لا يهم، هذا الفكر  بإختلاف تياراته وتعددها وتعارضها أحياناً، هو هو الفكر الإنتهازي، الفكر البرجوازي المنافق عدو الحرية بمعناها البروليتاري، ونجاح الثورات العربية مرتبط بمدى إنحيازها للحرية التي إنتفضت من أجلها الجماهير، وهي ليست حرية رؤوس الأموال ولا حرية أحزاب العبودية والجهل، مقاومة ممانعة كانت أم منبطحة.

للحرية إتجاهٌ واحد، يُنيره هؤلاء الذين ليس لديهم ما يخسرونه سوى الأغلال، هم بوصلة النظرية والتطبيق والفلسفة والتحالفات والمواقف والمعارك .. يبقى لنا الإختيار.

* المقصود بالفكر البرجوازي التابع  – سموه ما شئتم، الأولوية للمعنى المقصود – هو الفكر المسيطر في البلاد التي تخضع إلى أنظمة برجوازية كولونيالية، حيث الطبقة البرجوازية لم تكن ثورية في طور تاريخي معيّن، بل وجودها الطبقي إرتبط بطور أزمة النظام الرأسمالي العالمي الذي حتم إرتباطها التبعي بمراكز القرارات العالمية.

أرسلت فى فكر . تعليق واحد »
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.