في نقد اليسار في لبنان (١)

في النقد

لا يمكن فصل النقد عن الناقد، حتى ولو كان النقد موضوعياً. للناقد بنية فكرية ينتمي إليها، منها ينطلق في النقد ولصالحها، لهذا من السطحية الإعتقاد بإمكانية الفصل هذه.

من ناحية أخرى، إذا كان النقد موضوعياً، أو يلامس جزء من الواقع الموضوعي، من السذاجة عدم الإكتراث له وخاصة من المعنيين في هذا النقد، لكن إذا كان الناقد ينتمي إلى بنية فكرية مختلفة، على المعنيين إعادة إنتاج النقد من موقع النقيض الفكري للناقد، في محاولة لوضع حلول عملية للمشكلة المطروحة بدل من التصفيق والترويج لنقد وصفي، غير علمي، لا يعالج جذر المشكلة.

واقع الأحزاب اليسارية

من الواضح بأن لا يوجد أحزاب ثورية في لبنان، هناك دكاكين تبيع كليشهات الثورة وتتاجر بها. مقاربتي لهذه الأحزاب لا تختلف كثيراً عن مقاربتي للأنظمة العربية السائدة؛ منظومات سياسية ترفع رموز براقة وتحتكرها لتؤبد واقع يصب في مصلحتها. التيار السائد داخل هذه الأحزاب وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني، هو تيار يمثّل الخط السياسي والأيديولوجي للبرجوازيات العربية بشكل عام ببعدها الأيديولوجي القومي الكلاسيكي. هذا النهج، المسيطر منذ عقود والذي تعزز بالعقدين الأخيرين بدعم من أنظمة البرجوازيات العربية (خاصة النظام السوري) هو الذي يحدد المصلحة الطبقية لهذه الأحزاب “الإصلاحية” ويحتّم عدم ثوريتها.

واقع القاعدة اليسارية

لا يمكن فصل المشاكل التي تعاني منها القاعدة اليسارية في لبنان عن واقع أحزابها المهترئة وعن واقع البنية الإجتماعية اللبنانية بشكل عام. أحد أبرز ما يميّز هذه البنية هو ما يسمى بالنفاق الإجتماعي الشمولي السائد، ومن أهم خصائص هذه الظاهرة هو الأيديولوجية اللفظية التي تتغنى بالأخلاق والمبادئ، شيوعية كانت، دينية أو ليبرالية، لا يهم. المهم هو إنها أيديولوجية لا تُمارس عملياً من قبل القاعدة المعنية إلاّ في إطارها اللفظي وفي إطار بعض العادات والتقاليد الشكلية. أغلب الذين يعانون من هذه المشكلة يستميتون بالدفاع عن أحزابهم، إمّا من باب الإستفادة المباشرة أو من باب الجهل أو من باب الحنين إلى ماضي مشرّف.

على صعيدٍ أخر، التيار المعارض في أوساط اليسار يمكن تقسيمه إلى فريقين؛ فريق يعتقد بأن التغيير يجب أن يأتي  من خلال الأحزاب السائدة نفسها، بعد القيام بعملية إصلاحية شاملة، وفريق أخر (أؤيده الرأي)، يدعو إلى دفن هذه الأحزاب والعمل على خلق حركات ثورية تستقي برامجها من خلال الإحتكاك بواقع الطبقة التي يدافعون عنها. هذا الإختلاف بالآليات هو إختلاف جيّد، على أن لا يتحول إلى أداة جديدة لتكريس الإنقسامات في صفوف القاعدة.

خلاصة (١)

الترويج لنصوص نقدية ومفاهيم تم إنتاجها في بُنى فكرية معادية للموقع الطبقي لليسار لا يصب في خانة النقد العلمي وإنما في خانة اليأس والتفتيش عن حلول بإستعمال أدوات معرفية هي بذاتها تتناقض مع الهدف الذي نسعى من أجله.

على صعيدٍ أخر، يجب معالجة المشاكل والظواهر الإجتماعية السائدة في صفوف القواعد اليسارية كجزء لا يتجزأ من مشاكل البنية الإجتماعية للنظام اللبناني مع الحرص على عدم الإنجرار إلى لعب دور الواعظ الأخلاقي. الإختلافات الثانوية لا يجب أن تتحول إلى معارك جانبية لا تنتهي، الأفراد في المجتمعات البشرية كالسنونو؛ لن يصلوا إلى هدفهم منفريدين، الطريقة الوحيدة للوصول هي التنظيم الجماعي. هذا القانون البيولوجي-الفيزيائي ينطبق على النضال السياسي وعلى عملية إنتاج حلول وأفكار لوضع خطط عملية تساهم بالوصول إلى الهدف.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.