الرئيسية » فكر » ماركس في إستشراق إدوارد سعيد

ماركس في إستشراق إدوارد سعيد

moukadem

ما دفعني لكتابة هل موضوع هوي هل مقال لي إنحط من من فترة في جريدة السفير. أبرز ما لفت إنتباهي بهل مقال، هوي إستعانة الكاتب بإدوارد سعيد و كتابه الإستشراق لتأكيد فكرة المقال الأساسية أو لتدعيمها و التي تفصح على حد تعبير الكاتب عن النظرة الأخلاقية والسياسية لماركس، وهي في التحليل النهائي نظرة أوروبية مركزية، استعلائية وارستقراطية في جوهرها، وبالذات نظرة أوروبا الوسطى والشمالية التي تحدث عنها إدوار سعيد في كتابه عن الاستشراق. فكان لا بد لي من الرجوع إلى بحث قام به الشهيد مهدي عامل في كتابه "هل القلب للشرق و العقل للغرب ؟" و الذي جاء كرد على ما يدعيه إدوارد سعيد بأنه إنزلاق في الفكر الماركسي إلى مواقع الفكر الإستشراقي و بالتالي الفكر البرجوازي المسيطر. ليس هدف الموضوع الدفاع عن أحد أو تبرير أحد حتى لو كان ماركس نفسه، فعلى الصعيد المجرد و من حيث المبدأ العام من الممكن جداً أن نرى فى أحد نصوص ماركس إنزلاقاً إلى مواقع الفكر البرجوازي حول قضية نظرية أو تاريخية أو سياسية ما ليس حول الشرق فقط.

فكما يقول مهدي عامل منطق الفكر المادي في النظر في ما يطلق عليه إسم تاريخ الأفكار لا يرفض مسبقاً و بشكل قبلي مثل هذه الإمكانية في إنزلاق فكر ما حول قضية معينة إلى مواقع الفكر المثالي النقيض أو بالعكس في حركة التناقض و الصراع بينهما إلا أن هدف الموضوع تبيان التأويل الخاطئ لإدوارد سعيد للنص الماركسي حول الهند ليس بهدف التنقيب في نصوص متحفية و إنما بهدف نقد منهج الرفض لعلمية المعرفة لمجرد كونها غربية و التي تحكم فكر كاتب المقال المذكور أعلاه. رح أذكر نص ماركس و من ثم تأويل إدوارد سعيد و برجع بنتقل لنقد تأويل إدوارد سعيد طبعاً من خلال إستعانتي بكتاب "هل القلب للشرق و العقل للغرب ؟"

يقول ماركس :

" الأن بالرغم من الإشمئزاز الذي لا بد أن تثيره في المشاعر الإنسانية رؤية هذه المئات من التنظيمات الإجتماعية ذات النظام الأبوي و الكادحة التي لا تسبب أذى، تُفَكُّ و ينحلُّ تنظيمها إلى وحداتها و تُقذَف إلى لجج من المحن، و يفقد أفرادها في الوقت نفسه الشكل القديم من الحضارة الذي عرفوه ووسائل تحصيل قوتهم الموروثة، فلا ينبغي علينا أن ننسى أن هذه المجتمعات القروية الرعوية، مع ما تبدو عليه من المسالمة و البعد عن الأذى، كانت دائماً ولا تزال الأساس الصلب للطغيان الشرقي، و أنها حصرت العقل الإنساني ضمن أضيق نطاق ممكن، جاعلة منه أداة التطيّر المستسلمة دون مقاومة، و مستعبدة إياه للقواعد و الأعراف التقليدية، و مجرّدة إياه من الجلال كله و من الطاقات الحيوية التاريخية كلها.
لقد كانت إنكلترا، دون شك، في تسببها لحدوث ثورة إجتماعية في الهندستان مدفوعة بأكثر المصالح قذارة، كما كانت حمقاء في الطريقة التي بها فرضت هذه المصالح، لكن هذا ليس السؤال الحق. بل السؤال هو هل يستطيع الإنسان أن يحقق مصيره دون ثورة جذرية في الوضع الإجتماعي لأسيا؟ وإذا كان الجواب بالنفي فمهما تكن الجرائم التي قد تكون إنكلترا إرتكبتها، فإنها الأداة غير الواعية للتاريخ في إنجاز هذه الثورة.
فأياً كانت المرارة التي يتركها مشهد عالم يتهاوى في مشاعرنا الشخصية فإن لنا الحق في منظور التاريخ أن نهتف بتعجب مع غوته:
"أينبغي إذاً لهذا التعذيب أن يعذبنا.
ما دام يهبنا متعة أعظم ؟
أولم تُفتَرَس أرواح لا تحصى دون قيد عبر حكم تيمورلنك؟" "

تأويل إدوارد سعيد لكلام ماركس :

"و الإقتباس، الذي يدعم منظومة ماركس في العذاب الذي ينتج المتعة، مأخوذ من الديوان الغربي الشرقي، وهو يحدد هوية مصادر تصور ماركس للشرق. وهي مصادر رومانسية بل ميسحانية أيضاً: فالشرق أقل أهمية من حيث هو مادة إنسانية منه من حيث هو عنصر في مشروع رومانسي للخلاص. و هكذا فإن تحليلات ماركس الإقتصادية تغدو ملائمة تماماً لمشروع رومانسي شائع، رغم أن إنسانية ماركس، و تعاطفه مع بؤس البشر قد أوقظا بشكل جلي. لكن في نهاية الأمر، يكون الرابح الرؤيا الرومانسية الإستشراقية، إذ تغدو أراء ماركس الإقتصاية غارقة في هذه الصورة الشائعة الراسخة :
(إن على إنكلترا أن تحقق في الهند رسالة مزدوجة : الأولى تدميرية و الثانية إحيائية تجديدية إفناء المجتمع الأسيوي و إرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي في أسيا.)
و تشكل فكرة إعادة الحياة إلى أسيا فاقدة الحياة، جوهرياً، جزأً من الإستشراق الرومانسي الخالص لكن صدورها هنا عن الكاتب نفسه الذي لم يكن ليستطيع بسهولة أن ينسى المعاناة الإنسانية الناجمة يجعلها مميزة فعلاً.
فهي تفرض علينا أن نسأل أولاً كيف تنتهي معادلة ماركس الأخلاقية للخسارة الأسيوية بالحكم الإستعماري البريطاني الذي يدينه بأن تُدفع من جديد في إتجاه المفهوم القديم بين الشرق و الغرب الذي كنا قد لاحظناه. و هي تفرض علينا أن نتساءل أين ضاع التعاطف الإنساني و في أي عالم من الفكر تلاشى لتحل محله الرؤيا الإستشراقية ؟"

في نقد التأويل :

المشكلة الأساسية في نص إدوارد سعيد ليس بالتشويه الجذري للنص نفسه لكن لتشويه بناء الفكر الماركسي بكامله.
فا ما جاء فيه ماركس هو نظرة مادية للتاريخ، فالأحداث و العلاقات بينها تنوضع من منظور التاريخ و حركته الموضوعية ليس من منظور الذات الإنسانية.
فالتاريخ هو حركة مادية تحكمها قوانين موضوعية و هي التي تحدد فيه ضرورة التغيير الثوري، يعني بتلعب دور المحفذ أو ال stimulant وهيدي من بديهيات الماركسية!
فإذاً التأويل لغى الطابع المادي للنظرية، أي لغى علميتها و لغى أيضاً جديدها الثوري و حاول إيصال و إثبات فكرة بأن فكر الفرد حتى لو كان ماركس عاجز عن الخروج عن الفكر المسيطر، أي فكر الأمة السائد و لي هوي بهل حالة الفكر البرجوازي.
يوجد فكر واحد لا يوجد فكر أخر غيره حتى لو وُجد فإنه سيكون عنصر من الفكر الأساسي و سيندمج به.
بمعنى أخر، منطق الفكر النقيض و منطق الثورة بحسب هذا التأويل سيفقدان ضرورتهم التاريخية و ينقلبان إلى مشروع رومانسي، فيحاكم النص الماركسي محاكمة أخلاقية من خلال إستبدال السؤال المادي التاريخي الذي يطرحه ماركس بسؤال أخلاقي !
فكما يقول مهدي عامل :" لم يرى التأويل في النص سوى فكر هو الذي أسقطه عليه. فالذي قاد التأويل إلى تشويه النص و فكره هو بالضبط الفكر الذي يستضيء به التأويل و ينطلق منه ومن أحد وجوه هذا الفكر هو الوجه القومي"
فلا يوجد فكر غير فكر الأمة و حتى لو وجدت حالات إستثنائية فالإستثناء يؤكد القاعدة و يندمج بها ضمن إطار فكر الأمة الأساسي.

إقتضى التوضيح، و ذلك لتجنب الفهم السطحي، المقصود أو الغير مقصود، لبديهيات الفكر الماركسي.

Advertisements

تعليق واحد

  1. رياض Riyadh كتب:

    وبذا يكون توضيحك بالستعانة بمهدي عامل ردا على حسين الموزاني و الباحثة الألمانية مارلينا فسبر وادوراد سعيد . السؤال هل رجعت لكتاب ادوارد سعيد ” الاستشراق ” ؟! طيب لا يهم .
    قرأناكم كثيرا تقولون ” فعلى الصعيد المجرد و من حيث المبدأ العام من الممكن جداً أن نرى فى أحد نصوص ماركس إنزلاقاً إلى مواقع الفكر البرجوازي حول قضية نظرية أو تاريخية أو سياسية ما ليس حول الشرق فقط. فكما يقول مهدي عامل منطق الفكر المادي في النظر في ما يطلق عليه إسم تاريخ الأفكار لا يرفض مسبقاً و بشكل قبلي مثل هذه الإمكانية في إنزلاق فكر ما حول قضية معينة إلى مواقع الفكر المثالي النقيض أو بالعكس في حركة التناقض و الصراع بينهما ” لكننا في المقابل لم نقرأ لكم نقدا ذاتيا لمثل هذه الإمكانيات من الانزلاق الفكري فيا حبذا لو تتحفونا بنقد مادي للمادية .
    لاحظ الفكر الاستعلائي الذي ينظر دائما للآخر المخالف له من أعلى عند استخدام المصطلحات والمفردات ” انزلاق ” الفكر المادي الى مواقع الفكر البرجوازي المثالي ! فالفكر المادي في الأعلى والقمة أو السفح وقد ” ينزلق ” صدفة أو عن سهو وخطأ إلى الأسفل الأدنى التحت لكن مكانه الأصلي هناك في القمة حتى مع وجود امكانية او احتمال ان ينزلق فطبيعة الفعل ” انزلق ينزلق انزلاقا ” ان يعود المرء الى حالته الأولى قبل الإنزلاق !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: