الرئيسية » فكر » تأثير الجينات البشرية في الصراعات الأيديولوجية ؟

تأثير الجينات البشرية في الصراعات الأيديولوجية ؟

45

علي مقدّم-

المجتمعات الطبقية و الإستغلال

لم تكن المجتمعات البشرية في مراحلها الأولى تعرف ما يُسمى بالملكية الفردية، و كان يسود الحياة نوع من التضامن و المساواة و ذلك نتيجة ضعف الإنتاج و بساطته و ضرورة الإتحاد من أجل مواجهة الطبيعة.
عند تطور القوى الإنتاجية، ظهرت الطبقات بعدما أن أصبح الإنتاج يفوق الإحتياجات الأساسية و ما يلزم للإستخدام المباشر في المعيشة اليومية ، فظهرت نتيجة ذلك الفروقات و بداية إستغلال الإنسان للإنسان من خلال إستعانة الغني بالفقير لمضاعفة ثروته.
و تتالت بعد ذلك الأنظمة التي تحكم المجتمعات البشرية و القائمة على الإستغلال و إن بنسب متفاوتة ، إلا أن المبدأ نفسه و ما زال مستمراً حتى يومنا هذا.
فتركيبة المجتمعات الطبقية تُحَتِم وجود مُستَغَل و مُستَغِل و بالتالي لا يمكن لأي فرد من أفراد هذا المجتمع أن يكون محايداً حتى لو إدعى ذلك ، لأن في حياده هذا، يدعم المسيطر و المُستَغِل و يُشكل له أداة نشطة لصيرورة نظامه و تأبيد سيطرته.

دراسة توماس سوويل حول جذور الصراعات الأيديولوجية

السؤال يبقى دائماً، لماذا هناك أفراد لديها نزعات ثورية رافضة لواقعها الغير عادل و مجموعة أخرى تنخرط في سياسة المسيطر عن سابق إصرار و تصميم ؟

توماس سوويل (Thomas Sowell) في كتابه "تناقض الرؤى" تناول أسباب أو جذور الصراعات السياسية و الإيديولوجية لدى البشر و فسرها من خلال إرتباط كل فرد بإحدى التصورين: المقيد أو الحر.
فأصحاب التصور المقيد لا يحاولون إيجاد سبب لظلم الإنسان للإنسان مثلاً، حيث يعتبرون بأن لا جدوى من معرفة الأسباب لأنها متأصلة في النفس البشرية ولا يمكن التخلص منها لكن ما يمكننا فعله هو لجمها و إحتوائها من خلال القوانين التي يجب أن تُسَن على هذا الأساس.
أما أصحاب التصور الحر يرون بأن من الضروري معرفة و فهم سبب إستغلال الإنسان للإنسان الأخر لمعالجة هذه الظواهر من جذورها و إستئصالها.

دراسة سوويل بالرغم من محاولتها إعطاء نظرة شاملة للصراعات الإيديولوجية إلا أنها لم تفسر أسباب إعتماد طرف تصور معين دون الأخر.
مثلاً: ما هي العوامل المسؤولة التي تُحَفذ خيار على أخر في مسألة رفض الواقع  ؟

طبعاً غير الظروف الموضوعية المحيطة ، ظروف التنشئة و البيئة ، حيث نعرف تماماً أهمية هذه العوامل في تكوين شخصية الفرد و سلوكه ، لكننا مع تطور العلوم (علم النفس ، الطبيعيات …) أصبحنا نعرف أيضاً أن للجينات البشرية دور لا يمكن تجاهله في عملية تحفيز سلوك معيّن لدى الفرد ، و نظراً إلى أن التمرد و الثورية هي صفات سلوكية ، فمن المنطقي أن يكون للجينات البشرية دوراً في تحفيز السلوك الثوري من عدمه.

نبذة سريعة عن علم الوراثة السلوكية

بدأ التكلم عن الجينات السلوكية في أواخر القرن التاسع عشر، و نُشرت أول مقالة علمية بعنوان العبقرية الموروثة (Hereditary Genuis) من قِبَل فرانسيس غالتون (Francis Galton) سنة ١٨٦٩.
و تتالت الأبحاث في هذا المجال، و أصبح من المتعارف عليه بأن الوراثة و البيئة كلاهما يتفاعل لمنح الصفات السلوكية.
تعتمد الأبحاث في علم الوراثة السلوكية بشكل كبير على دراسة التوائم المتماثلة عندما يربى كل منهم في ظروف بيئية مختلفة، و من خلال دراسة التشابه بين الابناء بالتبنى مع آبائهم، الحقيقيين والغير حقيقيين. untitled

في دراسة لMatt McGue و رفاقه [1,2] من جامعة مينوسوتا (Minnesota) تحت عنوان التأثير الوراثي و البيئي على الإختلافات السلوكية عند الإنسان (Genetic and environmental influences on human behavioral differences)  تم وجود روابط قوية بين الوراثة و سمات و إضطرابات سلوكية كالإدمان على الكحول ، الشره المرضي (Bulimia) ، إضطراب الهلع (Panic Disorder) ، إضطراب القراءة (Reading Disorder) ، إضطراب نقص الإنتباه/فرط النشاط (ADHD) و مرض الشيزوفرينيا (Schizophrenia).

في دراسة حديثة لDouglas R. Oxley و فريقه [3] من جامعة Nebraska-Lincoln تحت عنوان إختلاف المواقف السياسية مع إختلاف الصفات الفيسيولوجية (Political Attitudes Vary with Physiological Traits) ، تبين وجود رابط بين الصفات الفيسيولوجية للفرد و مواقفه السياسية.
مثلاً الأشخاص الذين يتأثرون جسدياً بشكل أقل (حركة العيون و نبضات القلب …) نتيجة الأصوات المفاجئة ، لديهم ميل لأخذ قرارات سياسية أقل تعصباً تجاه الأجانب ، و لديهم نزعات مسالمة ، بعكس الأشخاص الذين يتأثرون بدرجة أكبر نتيجة الأصوات المفاجئة الذين يميلون إلى التعصب و يؤيدون شن الحروب …

طبعاً لن يتسنى لنا أن نذكر جميع الدراسات في هذا المجال ، لكن الهدف كان إعطاء صورة عامة عن علم الوراثة السلوكية.

خلاصة

عندما نتكلم عن دور للجينات البشرية في الصراعات الأيديولوجية ، هذا لا يعني أن تحديد شخصية الفرد إن كانت ثورية أم لا ، يعتمد حصراً على وجود بعض الجينات الموروثة ، لكننا في صدد تسليط الضوء على إمكانية أن تلعب الجينات دوراً في تحفيز السلوك الثوري من عدمه.
طبعاً موضوع بهذا التعقيد يلزمه إختصاصيين لإعطائنا المزيد من التفاصيل ، فجدلية الجينات و البيئة ، هي جدلية بالغة التعقيد و أي محاولة للفصل بينهما هو أمر مرفوض على المستوى العلمي.

فشخص لديه الجين المسؤول عن التحفيز على الإدمان على الكحول ، و إذا كان هذا الشخص يعيش في مجتمع محافظ كالسعودية مثلاً ، فإحتمال أن يصبح مدمناً أو متعلقاً بالكحول هو إحتمال ضئيل جداً، بعكس شخص أخر لديه نفس الجين لكنه يعيش في مجتمع يُعتبر الكحول جزءاً من ثقافته.

بالنسبة للسلوك الثوري، فإذا كانت هناك جينات تلعب دوراً مباشراً أو غير مباشراً في تحديد الهوية الفكرية أم لا، يبقى العامل الأساسي و الأهم هو الوعي البشري ، و دوره في عملية النقد الذاتي ، سلاح أي فرد ، يريد أن يفهم الواقع و حركته ، لكي يتخذ موقفاً واضحاً من الإستغلال و العدل، الظلامية و العلم،  السلبية و الثورية.

 

References

[1]  McGue M (2010) The End of Behavioral Genetics? Behav Genet 40:284–296.

[2]  McGue M, Bouchard TJ (1997) Genetic and environmental influences on human behavioral differences. Annu Rev Neurosci 21:1–24.

[3]  Douglas R. Oxley (2008),Political Attitudes Vary ith Physiological Traits 10.1126/science.1160995.

Advertisements

5 تعليقات

  1. aboElSho2 كتب:

    makal ra2e3

  2. رياض Riyadh كتب:

    لا اعرف اسم عالم النفس والسلوك الذي قال ما معناه : ” اعطني 50 طفلا وسأجعل منهم المجرم والثوري والبطل واللص والكاتب الخ ” القول لا يحتاج الى تعليق .
    اعتقد ان هذا المقال يتعارض مع مقال اخر لك عن العنصرية ” مواجهة العنصرية ” .
    كتبت ” أصبحنا نعرف أيضاً أن للجينات البشرية دور لا يمكن تجاهله في عملية تحفيز سلوك معيّن لدى الفرد ، و نظراً إلى أن التمرد و الثورية هي صفات سلوكية ، فمن المنطقي أن يكون للجينات البشرية دوراً في تحفيز السلوك الثوري من عدمه.”
    تأكيد على دور الجينات في تحفيز السلوك الثوري !!!

    ثم ناقضت ما كتبت : ” بالنسبة للسلوك الثوري، فإذا كانت هناك جينات تلعب دوراً مباشراً أو غير مباشراً في تحديد الهوية الفكرية أم لا، … ”
    تشكك في هذا الدور ..!!
    وكتبت : ” تبين وجود رابط بين الصفات الفيسيولوجية للفرد و مواقفه السياسية. ” تأكيد لدور الجينات …!!

    هذا الدور للجينات هو ذاته الذي اعتمده العنصريون عندما قسموا السلالات والشعوب الى عبيد واحرار عقلاء ومجانين الى غرب عقلاني وشرق عاطفي الخ .

    وكتيت : ” فشخص لديه الجين المسؤول عن التحفيز على الإدمان على الكحول ، و إذا كان هذا الشخص يعيش في مجتمع محافظ كالسعودية مثلاً ، فإحتمال أن يصبح مدمناً أو متعلقاً بالكحول هو إحتمال ضئيل جداً، بعكس شخص أخر لديه نفس الجين لكنه يعيش في مجتمع يُعتبر الكحول جزءاً من ثقافته. ”
    يعني لو في شخص ليس لديه هذا الجين ويعيش في بلد اوروبي يعج بالكحول فهل يا ترى سيتعاطى الكحول ؟!
    الكحول موجود في كل البلدان العربيةبما فيها السعودية بل نحن العرب نستهلك من الكحول اكثر من الغرب ولا تغرنك صفة المحافظة. وعليه فلا مشكلة لمن لديهم هذا الجين !! الكحول في متناول الايدي أخي علي .

    وهل هناك جينات مسؤولة عن تعاطي السجائر والكوكايين وغيرها من المخدرات وجين مسؤول عن تفضيل فواكه عن غيرها وربما جينات تفضل اللحوم او لا تفضلها يعني النباتيون اتخذوا قرار ان يكونوا نباتيين بسبب وجود جين حفزهم وشجعهم على هذا القرار ؟!!!
    هناك جين لا يحفز على الثورة نعم انه الجهل والخوف والتربية والثقافة والمصلحة …
    خانتك الفلسفة اخي علي هذه المرة والخاتمة لم تشفع ولم تصلح ما سطره المتن .
    اخيرا انا لا اميل الى عمل دعاية لمدونتي ومقالاتي لكن اقرأ مقالي ” التاريخ لا يعيد نفسه ” ومقال ” القط لا يحب خناقه ” ربما يحملان جواب عن دور التراث وجواب عن السؤال لماذا لا نثور . رغم ان عناوين مقالاتي ليست بقوة وعلمية مقالاتك الرائعة .
    ارجوا ان لا تعتبر نقدي هجوما شخصيا فأنا اقدرك واتابعك فلغتك فلسفية عميقة ولك فكر ثاقب ولماح وانا اتابعك باستمرار هنا وفي منتديا صوتك فلك مني كل الشكر

    • moukadem كتب:

      عزيزي ورفيقي رياض
      أولاً شكراً على مداخلتك القيمة جداً، وطبعاً لن أعتبرها تهجم لأن بالنقد يدوم الفكر ويتجدد، مداخلتك أسعدتني تماماً كإهتمامك بمقالاتي المتواضعة.
      أذكر تماماً حين قررت أن أكتب عن هذا الموضوع منذ عام ونيّف ، ترددت كثيراً، لأنه يتناول أمور معقدة ومتشعبة وهامش الفهم الخاطئ كبير جداً ومتوقع، ودعني أقول أن إمكانية إنزلاق الفكر إلى مواقع لا يريدها أمر وارد جداً.

      هناك سوء فهم لبعض النقاط التي وردت في النص سأسمح لنفسي أن أوضحها:
      عندما قلت ” أصبحنا نعرف أيضاً أن للجينات البشرية دور لا يمكن تجاهله في عملية تحفيز سلوك معيّن لدى الفرد ” إعتمدت هنا على دراسات علمية موثقة ولم يكن هذا إستنتاجاً شخصياً.
      وعندما أضفت “و نظراً إلى أن التمرد و الثورية هي صفات سلوكية ، فمن المنطقي أن يكون للجينات البشرية دوراً في تحفيز السلوك الثوري من عدمه.” كان هذا إستنتاجاً شخصياً لم أؤكده ولم أنفيه بشكل قاطع لأني بكل بساطة لست مختصاً في هذا المجال، والدلالة على وجود رابط منطقي لا يعني التأكيد وإنما مجرد رأي غير موثق علمياً.
      فعندما قلت ” بالنسبة للسلوك الثوري، فإذا كانت هناك جينات تلعب دوراً مباشراً أو غير مباشراً في تحديد الهوية الفكرية أم لا، … ” هذا يؤكد بأني أدع مجالاً للشك في إستنتاجي الذي يعتمد على رأي شخصي كما ذكرت سابقاً. لهذا يا صديقي العزيز لا أرى في الأمر تناقض أبداً وعندما أضفت “تبين وجود رابط بين الصفات الفيسيولوجية للفرد و مواقفه السياسية” هذا ليس إستنتاجاً شخصياً وإنما بحثاً علمياً موثقاً تبين فيه هذا الرابط، وأنا أقوم بسرد هذا البحث فقط!

      إني مقتنع بالبحوث العلمية التي تثبت بأن هناك رابطاً بين الجينات البشرية والسلوك الفردي كتحفيز الإدمان مثلاً وغيرها، لكن إنتبه بأني قلت تحفيز ولم ألغي قطعاً دور البيئة والظروف المحيطة بل من السطحية العلمية إلغاء ذلك، وأكدت على هذه النقطة الحساسة عندما قلت: “جدلية الجينات و البيئة ، هي جدلية بالغة التعقيد و أي محاولة للفصل بينهما هو أمر مرفوض على المستوى العلمي.”

      رفيقي أنا لم أقسم الشعوب على أساس عنصري ولن أفعل ذلك لأنه غباء علمي بكل بساطة. كل الشعوب على الكرة الأرضية لديها نفس أصل الجينات البشرية وهو قارة أفريقيا وهذا أمر موثق علمياً أيضاً. إعتبار بأن للجينات دوراً في تحفيز سلوكاً فردياً لا يمت للعنصرية بصلة لأننا كبشر بإختلاف أجناسنا وأعراقنا لدينا نفس التوزيع الجيني ونفس التنوع ولا يوجد توزيع جيني يمكن إعتباره حكراً على شعباً أو عرقاً. ويجدر الذكر هنا أيضاً بأن هناك دراسات علمية تثبت بأن أداء الجينات لدى نفس الشخص يمكن أن يتغير تحت تأثير ظروف موضوعية معينة (لن أتوسع في هذه النقطة الأن.)

      المقولة التي ذكرتها أنت في أول مداخلتك عن عالم النفس أوافق عليها تماماً، لكنها لا تنفي ما تناولت أو ما حاولت توصيله في هذا الموضوع. إذا تمكنا من التحكم بالظروف المحيطة، يمكننا أن نتحكم بدرجة كبيرة جداً بالسلوك الفردي لأن للظروف المحيطة دوراً رئيسياً في هذا .. لكن هذا لا يلغي بتاتاً دور الجينات وتأثيرها المباشر أو الغير مباشر.
      سأقوم بمراجعة المواضيع التي نصحتني بها وسأرد إذا كان لدي أي تعليق.
      أتمنى بأن أكون قد نجحت في توضيح الصورة ولو جزئياً وطبعاً أي تعليق أخر هو أكثر من مرحب به.

      تحياتي رياض

      للفصل بينهما هو أمر مرفوض على المستوى العلمي.”

  3. جعفر حسين المياحي كتب:

    ان الصراعات الايديولوجية في المجتمعات العربية أصبحت جزء لا يتجزأ عن حياتهم الطبيعة ففي كل أسرة و بيت نجد هنالك صراع ايديولوجي حول الفكر والمذهب والمبادئ التي يحملها الإنسان العربي ولاسيما بعد احداث الربيع العربي الذي غطى أغلب مجتمعاتنا العربية .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: