الرئيسية » فكر » مواجهة العنصرية في الفكر المثالي

مواجهة العنصرية في الفكر المثالي

racisme1

علي مقدّم-

العنصرية هي منهجية غير علمية، تعمل على التفرقة بين البشر على أساس عرقي، أثني، جندري أو ثقافي ديني.

تُستعمل العنصرية كآداة بيد المسيطر لتفرقة الفئات الشعبية وشغلها بعصبيات ساذجة، من أجل تشويه واقع الصراع الفعلي. فيعمل المسيطر على تكريس العنصرية في الثقافة الشعبية والحس المشترك ويعمل على تأجيجها حسب مصالحه السياسية الآنية.

تاريخ العنصرية في المجتمعات البشرية يعود لظهور البنية الطبقية لهذه المجتمعات، فالعبودية والكولونيالية كانت وما زالت تُبّرر إعتماداً على معايير عنصرية وإن إختلفت هذه المعايير شكلياً بإختلاف الظروف الموضوعية. فالتاريخ البشري يحتوي على ألاف الأمثلة التي توضح لنا كيفية إستعمال العنصرية في منهجية المسيطر وأدواته. 

أمثلة راهنة عن العنصرية

من الأمثلة الراهنة، سياسة ساركوزي في فرنسا ضد الغجر مثلاً، في الوقت الذي يتعرض نظامه لأزمة إقتصادية وسياسية هو وحلفائه الطبقيين في النظام الإقتصادي العالمي سببها، يريد تشتيت وعي العمال والطبقات الكادحة، الأكثر تضرراً من الأزمة، وشغلهم عن مطالبتهم بحقوقهم المعيشية من خلال قضايا عنصرية فاشية لا تخدم إلا مصالحه النتنة.فأصبحوا الغجر هم المسؤولين عن الأزمة المالية وبترحيلهم سينتعش الإقتصاد الفرنسي وستنخفض نسبة البطالة وسيتم إلغاء جميع القوانين التي تُحضّر لسحب الإمتيازات الإجتماعية من الشعب الفرنسي، كالضمان الصحي وعمر التقاعد وغيرها، ولن يعود الشعب الفرنسي مظطراً لأن يدفع ضرائب لتمويل حروب النظام في أفغانستان مثلاً.

مثال أخر، من النظام اللبناني الفاشي، هو التعاطي مع ملف منح الحقوق المدنية للفلسطينيين، هذا الملف يُعرّي جميع الحركات السياسية التي تهاونت معه وأخضعته لحسابات سياسية ضيقة وهنا نضع علامة إستفهام كبيرة على حزب الله لأنه تهاون مع هذا الملف. أما بالنسبة لحليفه التيار الوطني الحر، حامل لواء الفاشية والتعتير، عفواً الإصلاح والتغيير، الذي تآمر بكل وقاحة على هذه القضية وقدم تبريرات ساذجة كالعادة لتغطية بنيته الفكرية المائعة، فلا عجب. من قام بمجزرة تل الزعتر لن يتهاون في إبراز وجهه الحقيقي الفاشي الطائفي على نكهة العلمانية المنافقة، عند أول “منعطف خطير” يهدد ما يُسمى الوجود المسيحي في الشرق.

المحافظة على النظام هو الأساس، وإن كان على حساب الحقوق المدنية للفلسطينيين أو على حساب العمال الأجانب أو رغيف الخبز، كل هذه القضايا لا تدخل في حسابات النظام وأحزابه. فوجود أيدي عاملة أجنبية يهدد مصلحة الأيدي العاملة اللبنانية، وممكن أن يؤدي هذا لإرتفاع أسعار الخبز وإلا سيظطر النظام مرغماً إلى تخفيض وزن الربطة، لا سمح الله.

لكن كيف تتم مواجهة العنصرية عادةً ؟

في ظل العولمة الليبرالية وتراجع اليسار عن تشكيل مشروع نقيض، أصبحت مؤسسات المجتمع المدني فارغة من أي طابع سياسي توجيهي، أصبح معظمها يعارض السائد بشكل سطحي وغير علمي وذلك لإفتقاده المنهج الثوري، فيساهم بهذا من حيث يدري أو لا يدري، في تعزيز البنية الفكرية السائدة، أي بنية الظاهر والبدهي كما يقول مهدي عامل، بنية الفكر المثالي الميتافيزيقي، العاجز علمياً عن إنتاج فكر نقيض يعبر موضوعياً، أي علمياً عن مصداقية القضية التي يدافعون عنها.

لهذا نلاحظ أن معظم الحركات المناهضة للعنصرية، تستعمل حجج عنصرية لمحاربة العنصرية نفسها !

1.مثلاً،الحركات النسوية الليبيرالية تحارب ذكورية المجتمع بعصبية أخرى، فيتم الخلط بين الذكورية كعلاقات إجتماعية طبقية رجعية وبين الذكور كجنس بشري. من دون فهم الأسباب المادية التاريخية التي كرّست الذكورية في المجتمعات البشرية، كإرتباطها بظهورالملكية الخاصة وضرورة الحفاظ عليها وتوريثها. مع العلم بأن نسبة الذكورية في المجتمعات التي لم تكن البرجوازية فيها ثورية هي أكبر من المجتمعات التي مرّت فيها البرجوازية في مرحلة ثورية ضد الإقطاع، إلا أن يمكننا القول بأن الذكورية ما زالت موجودة في البُنى الإجتماعية وإن بنسب متفاوتة، لكن بسبب إفتقاد هذه الحركات للأدوات المعرفية الضرورية لتحليل السبب المادي العلمي لذكورية المجتمعات البشرية وسبب تفاوتها وإرتباطها بنمط الإنتاج والعلاقات الإنتاجية السائدة، ينتقلون في نضالهم الهّش من عصبية جنسانية إلى عصبية جنسانية أخرى.

2.على صعيدٍ أخر، في ظل الحملة الممنهجة على المسلمين في أوروبا وأميركا وذلك لأسباب طبقية بحتة، تتمثل في مصلحة الإمبريالية في نشر البروباغندا المعادية للثقافة العربية-الإسلامية بين شعوبها، لتبرير حروبها على منطقة الشرق الأوسط، تقابلها تيارات إسلامية معادية للثقافة الغربية عامةً، وكأن الثقافة الغربية قطعة جامدة متماثلة لا وجود للفكر النقيض فيها، فتعالج هذه التيارات، عنصرية المسيطر الغربي، بعنصرية أخرى تجاه الغرب عامةً بكافة أشكاله وألوانه. فيصبح كل من ينتمي إلى الغرب بشكلٍ تلقائي هو رجس من عمل الشيطان.

3.النقمة على الأنظمة التي تستعمل العنصرية لتقسيم الجماهير، تُجابه بعنصرية أخرى تشمل النظام والشعب معاً، فيصبح تلقائياً أي فرد من هذا المجتمع هو عنصري ويجب نبذه أو معاملته بالمثل.

 لنعود إلى النظام اللبناني كمثل على ذلك، هناك ثقافة سائدة بين الشعب اللبناني والحركات المعادية للعنصرية الفينيقية البلهاء، هي إلصاق صفة شمولية على الشعب اللبناني بأكمله.نعم النظام اللبناني هو نظام عنصري وفاشي وما إستخدامه للطائفية السياسية إلا دليل مباشر على ما نقول، ومن المعروف علمياً، بأن الواقع الإجتماعي هو الذي يحدد الوعي الإجتماعي، أي الوعي الشعبي السائد. فمن الحماقة إطلاق إتهامات شمولية كالعنصرية على شعب بأكمله والخلط بين النظام الذي يفرض السائد ويغذيه وبين شعب مُستغَل بغالبيته ولا يريد إلا تأمين لقمة العيش!

4.مثال أخير عن مجابهة العنصرية بعنصرية أخرى، هو الجدل الذي يدور عادةً حول مركزية الفلسفة، حيث كان وما زال العديد من الفلاسفة والمثقفين والمؤرخين يعتقدون بالمركزية الأوروبية للفلسفة (ومن ثم جعلوها المركزية الغربية لكي تشمل أميركا) وذلك لتأمين الغطاء الأيديولوجي للكولونيالية الغربية المباشرة والغير مباشرة، فقامت حركات فكرية معارضة تنادي بمركزية الفلسفة في أفريقيا أو أسيا وربط التفكير الفلسفي بعرق معيّن، تماماً كما فعل هيغل عندما إعتقد أن الشرق غير قابل فطرياً على إنتاج فلسفة عقلانية، لكن هنا إختلفت الأدوار بالنسبة لهذه الحركات، إلا أنهم في الواقع ما زالوا يدورون في فلك العنصرية وبنيتها المثالية.

لا يمكن محاربة العنصرية بعنصرية أخرى. محاربتها تتم من خلال فهم علمي لجذور نشأتها ومعرفة من المستفيد الأول منها. وهذا لا يتم إلا بإستعمال منهج مادي علمي لا يُعلّب الواقع على الطريقة الديكارتية المثالية.

من سخافة الفكر المثالي الساقط، مواجهة العنصرية بشتى أنواعها بعنصرية أخرى. فيحاول السائد أن يظهرهم على تناقض، إلا أنهم في الواقع، يدورون في نفس الفلك الفكري ويخدمون نفس البنية الفكرية، بنيتهم.

Advertisements

تعليق واحد

  1. رياض Riyadh كتب:

    العنصريات كلها وباء لكن اخطر العنصريات العنصرية الدينية او المذهبية عندما يدعي اتباع دين ما بأنهم ” شعب الله المختار ” او بانهم ” خير امة اخرجت للناس ”
    في الوقت الذي يدعون فيه بأن دينهم صالح لكل زمان ومكان وللعالمين .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: