الرئيسية » فكر » المفاهيم في خدمة المقدَّس

المفاهيم في خدمة المقدَّس

8-infinite

علي مقدّم-

تترسّخ المفاهيم، تتجذّر في تربة السائد وفكره. ترتدي الثوب المقدّس، وفي التقديس تكمن حتمية الإنفصام. فالتقديس يُوَّلد الثبات المطلق كفكرة، والواقع يأبى أن يكون ثابتاً في المطلق. وكيف للثبات في المطلق أن يصبح واقعاً إذا كان المطلق علمياً هو الحركة من دون كللٍ أو ملل؟
فالحركة في الواقع هي المطلق والمطلق في الواقع هو الحركة والمقدس كالثبات هما أفكار غير واقعية لا تمت للفكر العلميّ بصِلة.
هذا التناقض بين الثبات الهلاميّ والمطلق الموضوعيّ، بين الأفكار السائدة المقدسة والواقع، يُنتج الإنفصام بين النظرية والممارسة.

في الأخلاق والقيّم:

تُصبح المحافظة على القيّم والأخلاق الإنسانية، المقدسة،المطلقة، هي الهدف، وإن كان على حساب الإنسانية نفسها؛ من يخرج عن سيادتها يُجلد ويُنبذ : ليس منّا من لا يُبجِّل الثبات .. ثباتنا.
إنه صراع قائم بين ضرورة الإنسجام مع صيرورة الواقع وتغيراته وبين الإنفصام كمنهج أخلاقي يؤمن بالثبات.

في السياسة:

تُصبح السياسة في خدمة المقدس، آداةً لتأبيد السائد. تُعَرّف على أنها فن الكذِب، الكذِب من أجل المطلق ولخدمته وتعزيزه. بهذا تنفصل عن تعريفها المادي العلمي كعلم الصراع الطبقي. تتميّع في مفاهيم وممارسة المسيطر، فتبرز ضرورة النفور منها لدى الطبقة العاملة أو على الأقل ممارستها بشكلها المشوّه من دون أي حس نقدي يُذكر.

في الثورة وتغيير الواقع:

كيف يُمكن تغيير الواقع من وجهة نظر السائد إذا كان الواقع ثابتاً في مفاهيمه؟ فالتغيير يستدعي الحركة كشرطٍ أساسيّ، والثبات المطلق لا يتحرك بالمطلق وإلا إنتفت قدسيته أي ثباته المطلق. في هذه الدوامة يتأرجح خيار تغيير الواقع وهذا التأرجُح أو التخبُط يُلغي فكرة الثورة ويُميتُها فيتحقق هدف المسيطر.

خلاصة: المفاهيم وتناقضات الواقع

التجريد هي آداة ضرورية لفهم الواقع، والمفاهيم هي مرحلة عالية من التجريد تهدف إلى تنظيم فهم الواقع وتعقيداته. علمياً، على المفاهيم أن تحاول أن تعكس أفكاراً واقعية من خلال أداتها أي من خلال التجريد.
لكن ليس بالضرورة أبداً أن يُعبِّر التجريد عن الواقع، أي  أنه (أي التجريد) ليس دائماً علمياً، والأفكار المجردة المنفصلة تماماً عن الواقع هي غير مخولة لفهمه ويمكن أن تُصبح تضليلية تماماً كالمفاهيم.
وبما أن الواقع ليس متسقاً أو منسجماً، لا بل إنه في حالة صراع دائمة (وهذا الصراع هو الذي يولد الحركة المستمرة)،
ينتقل هذا الصراع إلى التجريد والمفاهيم. فالمسيطر في المجتمعات البشرية يسعى دائماً لتأبيد سيطرته ولهذا يشوه المفاهيم أو يمنحها هالة القداسة، فيتعارض هذا مع صيرورة الواقع وتصبح المفاهيم غير علمية لأنها غير واقعية لكنها .. سائدة !
وهنا تبرز ضرورة إنتاج المفاهيم العلمية التي تعكس الواقع كما هو، بتناقضاته وحركته المستمرة،  فتصبح المفاهيم، بصفتها جزء من التجريد لفهم الواقع، متحركة هي الأخرى أي غير مقدسة وإلا إنتفت صفة علميتها وأصبحت تصب في مصلحة المسيطر وإن إدّعت العلمية.

Advertisements

16 تعليق

  1. رياض Riyadh كتب:

    بعد تأملي في طبيعة النصوص الدينية , القرآن على وجه التحديد وبعد قرائته قراءة نقدية وبالاستعانة بنظريات النقد الأدبي الحديث والتفكيكية على وجه الخصوص وجدت بأن ” التقديس ” صفة مضافة من قبل المؤمنين . فالمقدس والقدس والتقديس ليست من اسماء الله كما انها ليست من صفات القرآن وبذلك وجدت بأن النص القراني لم يرد له من قبل مؤلفه ان يكون مقدساً . للأسباب التي ذكرتها وهي ان التقديس تعني الثبات والثبات يتعارض مع طبيعة العالم والواقع .

  2. مسلمة كتب:

    لكنه ثبت أنه لا بد للحياة من قدر من الثبات ، وإلا أصبح كل شيء متحول ومتغير تبعا للوقع وبالأصح تبعا لفهوم الأشخاص ، وحينها لاتطالب من ظلمك بالعدل ، لأنه ربما كان لا يرى فيما فعله بك ظلما بل عدلا من وجهة نظره أو مفهومه . ولا تقل له هذا ظلما لأن مفهومه يقول إن هذا عدل . تماما كما تمارسه اليوم القوى العظمى في العالم .

    • moukadem كتب:

      أخت مسلمة سلامٌ عليكِ،
      أثبتت العلوم الطبيعية كافة بأن الثبات هو مفهوم هلامي ولا وجود له في المطلق وينطبق هذا الأمر على المجتمعات البشرية أيضاً. الواقع هو الحركة، هذا قانون ثابت في الظروف الموضوعية الراهنة، هذا من دون النفي بأن هذا القانون يمكن أن يتغيّر ويتبدل بتبدل هذه الظروف. المفاهيم إن لم تكن منبثقة من أدوات علمية فهي باطلة موضوعياً، وطبعاً على المفاهيم أن تكون معاييرها إنسانية بالدرجة الأولى وماعلميتها إلا الوسيلة وإنسانيها هي البوصلة. لهذا أي مفهوم مقدّس غير قابل للنقد والتمحيص، هو فاقد لشرعيته علمياً وإنسانياً في آنٍ معاً.
      سررت بمرورك أخت مسلمة وإلى مزيد من الحوار البنّاء.

      • مسلمة كتب:

        إذن أنت أخي تعترف بوجود معايير إنسانية ثابتة وهي البوصلة للمفاهيم .. إذن الثبات موجود حتما بهذا الاعتبار..

      • moukadem كتب:

        أي ثبات تحديداً ؟ الثابت المطلق الوحيد هو الحركة، أي التحول والتجدد. هذا ما أعترف به.

      • مسلمة كتب:

        هذا نص كلامك في ردك قبل الأول ( وطبعاً على المفاهيم أن تكون معاييرها إنسانية بالدرجة الأولى وماعلميتها إلا الوسيلة وإنسانيها هي البوصلة) .. وقد تبين لي أنك تؤمن بوجود معايير إنسانية ثابتة ، فإن كانت متغيرة ولم تحمل صفة الثبات فلن تكون معايير حينئذ .

      • مسلمة كتب:

        أقصد في أول رد لك

      • moukadem كتب:

        المعايير الإنسانية ليست ثابتة في المطلق، ثباتها نسبي والنسبية هذه تخضع لظروف موضوعية محددة. في إطار هذه الظروف الموضوعية يمكن التكلم عن معايير إنسانية ثابتة، لكن ثباتها مشروط بثبات الظروف التي تحددها، فما إن تتغير هذه الظروف سينتفي ثباتها.

      • مسلمة كتب:

        إن انتفاء وجود معايير إنسانية ثابتة هو انتفاء ضمني للإنسان بمن يتضمنه من خير وشر ، ومعنى كلامك أنه من الممكن جدا أن يكون الظلم عدلا يوما ما في ظل الظروف الموضوعية التي ذكرتها ، فإن قلت لا يمكن هذا بحال من الأحوال قلنا لك إن ذلك اعتراف منك بثباتها ، تأمل أخي في نفسك من منطلق كونك إنسانا هل يمكن أن يكون الاعتداء الظالم عليك يوما ما ـ لا سمح الله ـ جائزا ومبررا لديك . أخي الفاضل إن لدى البشر معايير وأخلاقيات ثابتة لا يمكنهم التنازل عنها بحال من الأحوال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

      • moukadem كتب:

        لكن يا أختي العزيزة هذه المعايير الإنسانية التي نتكلم عنها لا يمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان. أعترف بوجود معايير إنسانية ثابتة لكن ضمن ظروف محددة؛ مثلاً إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان مرتبط بواقع المجتمعات الطبقية، وهو أمر غير إنساني طبعاً لكنه ينتفي بإنتفاء مسبباته أي الواقع الطبقي للمجتمعات البشرية. مثل أخر يعود إلى زمن النبي (ص)، كان عمر الزواج يعتبر باكراً جداً مقارنة بأيامنا هذه، وذلك يعود لواقع البنية الإجتماعية أنذاك بحيث كان هذا الأمر يُعتبر عادي، الأن الزواج المبكر هو فعل غير إنساني وظالم. تبدلت المعايير الإنسانية بتبدل الظروف الموضوعية بكل بساطة.

    • مسلمة كتب:

      أخي الفاضل ربط المعايير الإنسانية بالظروف الموضوعية يستبطن في حقيقته نفيا لثبات وجود الخير والشر في المكون البشري ، ونفيا لثبات وجود الحق والباطل في الحياة ، وهذا الثبات في وجودهما في المكونين البشري والحياتي يقتضي ثباتا في كل ما يتعلق بها ويترتب عليهما من عبادات وتشريعات وقيم وأخلاق ومعايير وجزاءات … إلخ وهي في ذلك تتعالى على التاريخ والجغرافيا والظروف الموضوعية ، ومن هنا كان الإسلام صالحا لكل زمان ومكان .

    • مسلمة كتب:

      نعود لأمثلتك أما قولك إن استغلال الإنسان لأخيه الإنسان مرتبط بواقع المجتمعات الطبقية ، وهل كل استغلال من الإنسان لأخيه يكون منشأه المجتمعات الطبقية إي أليس لذلك الاستغلال مسببات أخرى غيره بحيث يصبح الاستغلال غير إنساني في كل أحواله ومظاهره ، فإن تجاوزنا المثال وكنا أكثر تجريدا فاتفقنا على وصف هذا الاستغلال بالظلم فهل سنختزل الظلم في مظهر واحد وهو استغلال الإنسان لأخيه ، فإن توصلنا إلى أن للظلم تمظهرات كثيرة فمعنى ذلك وجوب تحريم الظلم بشكل مطلق وثابت ، واستلزم اشتمال المكون البشري على الشر ومنها الظلم أن توجد تشريعات وجزاءات سماوية ثابتة له ، أما بالنسبة لمثالك الثاني والمتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم فنحن وإن كنا نؤمن أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يتفاعل في سلوكه مع الواقع (الوسط) الذي وجد فيه إلا أنه كان يتجاوزه باعتباره نبيا له قول وفعل متعالي على ذلك الواقع ، وذلك بنص توجيه القرآن الكريم لنا أينما كنا في الزمان والمكان : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، ولا يمكننا أن نلوي أعناق النصوص لنرضي الواقع ذلك المتغير ، فأنت الآن ترفض بشدة الزواج المبكر إلى الدرجة التي حرصت فيها على رد الحديث لأجله ، ورأيت فيه جازما أنه ظلم وغير إنساني ، طيب بحسب نظريتك في عدم الثبات فإنه من المحتمل جدا أن يأتي يوم يصبح فيه الزواج المبكر إنسانيا ومقبولا لدى أكثر الفتيات بشهادات الأطباء مثلا ، هل ستعود وتؤمن بالنص النبوي مرة أخرى .. أسال الله لي ولك البصيرة ، وشكرا على سعة صدرك وحسن خلقك ورقي حوارك .

      • مسلمة كتب:

        عفوا يا أخي لا اعلم لماذا ظهر التعليق في الأعلى فاضطررت لإعادته في الأسفل تنظيما للأفكار .

      • moukadem كتب:

        يا أختي العزيزة، الشر والظلم وغيرها من عبارات لها أسباب موضوعية يمكن أن نتوصل إليها عبر آليات علمية. مشكلتي الأساسية معك هي تعريف المطلق، وهو إختلاف فلسفي صرف؛ أنتِ تعتقدين بأن المطلق موجود خارج العالم الموضوعي، أي لا يمكن إدراكه لأنه إلهي، ثابت ومقدس. أنا أعتقد بأن المطلق هو جزء لا يتجزأ من واقعنا الموضوعي، وقانونه الوحيد هو الحركة وعدم الثبات. تماماً كالظلم، شكل الظلم يتبدل بتبدل الظروف المحيطة وإذا أردتِ يمكننا أن نعتبر بأن طالما هناك مجتمعات بشرية، فعل الظلم بإختلاف أشكاله، هو فعل غير إنساني. هذا يمكن إعتباره قانون ثابت في بوتقة المجتمعات البشرية، لكن الثبات لا يشمل شكل الظلم ولا يشمل المطلق لأن المطلق غير محصور بالبشر فقط.
        مسرور جداً بهذا الجدل المثمر .. تحياتي

    • مسلمة كتب:

      أخي الكريم بسبب تطرف المستبد وسيطرته على المفاهيم واستغلاله القدسية في إضفائها عليها ـ وقد أحسنت الظن فتصورت أن مقصودك بالمسيطر هو المستبد من البشر ـ فكانت ردة فعلك أن اتخذت موقفا مضادا له في سعيك لمعالجة الخطأ فكان رأيك أيضا متطرفا في ظني ولا يتناسب مع طبيعة البشر والحياة ، ولعلي فهمت الآن مقصودك بشكل أفضل لكن لدي تعقيب عليه ، وهو أنك تؤمن بوجود المطلقات من الخير والشر والحق والباطل ونحوها ، لكنك لا ترى لها ثباتا بفعل الظروف الموضوعية ، واتخذت موقفا برفض كل ما جاء ثابتا في إدراكها وتوجيهها والحكم عليها من المفاهيم والأحكام الشرعية والقيم والأخلاقيات الإسلامية ونحوها ، ورأيت في ذلك انفصاما بين النظرية والممارسة ، وأردت للمعالجة أن تسير بمعزل عن إي نص مقدس ، أخي الكريم يمكنك أن تنفي الثبات عن مظاهر وأشكال الفعل البشري في ممارسته للمطلق ، بأن تقول إن نوع ظلمهم يتغير من مكان أو زمان إلى أخر ، لكن لا يصح لك أن تنفي الثبات عن المفاهيم الشرعية والأحكام الشرعية والقيم والأخلاقيات الإسلامية ، وكونها معاييرا لتوجيه فكر وسلوك البشر والحكم عليهما أيضا ، إلا إذا جاز اعتبار الإنسان ومكوناته العقلية والنفسية والجسدية وغيرها متغيرة في الزمان والمكان ، فاعترافك بوجود هذه المطلقات في خلق الإنسان يتطلب قدرا من الثبات في التعامل مع الجانب الثابت فيها وعلى هذا الأساس قامت الكثير من العلوم والمعارف في تكوين مفاهيمها وقيمها وتعميمها ، وقد أودع الله في الإنسان قدرات ثابتة كالعقل والضمير وهي قادرة على اكتشاف الظلم في جميع تمظهراته ، وبذلك يكون قد تحقق الثبات في إدراكها مفهوميا .. سعيدة للغاية بالحوار معك جزاك الله خيرا ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: