الرئيسية » فكر » في تشويه الأضداد

في تشويه الأضداد

Contradictions

مقدمة نظرية

البنية الفكرية التي تُنتج الأضداد الوهمية، تعمل على التأثير في الواقع وفرض وهمها عليه في محاولة لتشويه الأضداد الموضوعية. الأفكار وإن كانت خاطئة، أي لا أساس علمي لها، يمكن أن يكون لها تأثيراً جذرياً في الواقع الموضوعي. صوابية الأفكار ليست معياراً وحيداً لمدى تأثيرها في أي بنية إجتماعية، وإنما موقع هذه الأفكار في الثقافة السائدة بين الجماهير هو العامل الأساسي المؤثر، وهذه الأفكار التي تُشكّل الثقافة السائدة لا تأتي من العدم، بل يفرضها ويغذيها وينمّيها المسيطر، في صيرورة معقدة وممنهجة تُشكل الجانب الأيديولوجي للصراع الطبقي.

تتبلور المفاهيم والأضداد التي تصب في مصلحة تكبيل الواقع وتأبيده على ما هو عليه، فتصبح تلقائياً مفاهيماً غير علمية (وكيف لها أن تكون علمية إذا كانت بنيتها الفكرية التي أنتجتها هدفها هو تكبيل الواقع؟) لكن عندما نقول “غير علمية” هذا لا يعني بأن المسيطر ليس لديه مقاربة علمية للواقع، العكس هو الصحيح. مقاربته العلمية، وفهمه للواقع الموضوعي هو الذي يخوله أن يكون مسيطراً، وأن ينتج مفاهيماً غير علمية، أي لا تعبر عن الصراع الأساسي، لأنه يعي تماماً ماهية هذا الصراع الذي من مصلحته تشويهه.

العلمية لا تعني تلقائياً الإنسانية، لكن على الإنسانية ومعاييرها أن تكون علمية، لكي تفهم الواقع وتغيره، وإلا تتحول إلى تجريد رومانسي منفصل عن الواقع ويعمل على تأبيده، كما يُراد له أن يكون. كذلك المفاهيم وصياغة الأضداد وتحديدها؛ إن لم تنبثق من بنيةٍ فكريةٍ، منهجها علميّ، ومعاييرها إنسانية، ستصب حتماً في مصلحة المسيطر وإن عارضته بشراسة.

أمثلة من واقعنا السياسي الراهن

– عندما تفرض الإمبريالية معاييرها، وتصور الصراع على أنه صراع قائم بين سياساتها "الإنسانية" وبين الإرهاب؛ من ليس مع سياسة الولايات المتحدد هو إذن تابع للقاعدة، إنها معادلة صراع بين أضداد وهمية، لكن بالرغم من وهميتها، أعطت الغطاء لحروب وإنقسامات طائفية، إثنية وعشائرية.

– بعض التيارات الدينية والقومية تطرح مسألة الشرق والغرب، على أنها صراع أزلي يمثل جوهراً لا يتجزأ ولا يتغيّر. يطرح أصحاب هذه البنية الفكرية، معادلة أضداد وهمية لكنها فاعلة وموجودة بقوة في العقلية الشعبية، يحاولون من خلالها معارضة بنى فكرية “غربية” مسيطرة، لكنهم يستعملون في نفس الوقت منهجها. والتماثل في المنهج يُحتم التقاطع الجذري بين البُنى الفكرية التي تتبع هذا المنهج، مهما زادت حدة الصراع فيما بينها.

 – الأنظمة الديكتاتورية لتبرير بطشها، تفرض على شعوبها المعادلات التالية: إمّا الأمن (أي النظام) أو الفوضى، إما الممانعة (أي النظام أيضاً) أو نظام بديل عميل للغرب (كما يحصل في سوريا مثلاً) …

يطرحون سلسلة من الأضداد الوهمية لتبرير دكتاتوريتهم البنيوية، وهم لا يختلفون من حيث المنهج عن المسيطر في “الغرب” الذين يدعون ممانعته، بل يشكلون حليفاً إستراتيجياً له، إلاّ بنظر أصحاب القلوب الوطنية الرومانسية المرهفة، الذين يدعون العقلانية وهم غير قادرون أصلاً على التفرقة بين مفهوم الوطن والنظام، لأنهم محكومون ببنية النظام الفكرية وإن عارضوه في الصالونات وتململوا لغياب الحريات، لكنهم يتوخون الحذر من أخذ موقف واضح عندما يستدعي الأمر ذلك.

في تماثل المعايير

المشكلة ليست بفرض صراع بين نقيضين، فالواقع هو نتيجة تناقضات وصراع بين الأضداد، المشكلة هي في المعايير المتبعة لفرض أي صراع. هذه المعايير إمّا أن تكون إنسانية أو لا تكون، والإنسانية تبدأ من خلال محاربة الإستغلال بكافة أشكاله، الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، فالإمبريالية والصهيونية والرجعية – وأضيفوا ما شئتم من مصطلحات ومفاهيم تحلو لكم – تتقاطع في منهجها وتتماثل في إستغلالها الإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وهذا التقاطع يُحتّم لاإنسانيتها.

كيف يمكن لأي بنية فكرية أن تدّعي العداء للإمبريالية والصهيونية وهي في الوقت نفسه تبرر قمع شعوبها لأنها غير جاهزة للديمقراطية بعد؟ لا يمكنها أن تغطي هذا الإنفصام الممنهج، إلا من خلال فرض صراع وهمي لا أساس مادي له، صراع بين شرق وغرب، بين حضارة شرقية وحضارة غربية، لكي تحوّل الصراع الأساسي إلى صراع حضارات، تُبرر من خلاله ديكتاتوريتها العفنة أو تُبرر سلطتها الدينية الظلامية أو تُبرر إرهابها وجرائمها وحروبها ضد ما تسميه الإرهاب.

خلاصة

لا يمكن نقض الإستغلال ومقاومته من خلال بُنى فكرية دينية متشددة، أو من خلال بُنى فكرية قومية غير علمية تفصل بين مصلحة الأمة وبين الصراع الطبقي الداخلي لكل بلد.

و لا يمكن أيضاً محاربة ونقض الإستغلال وبنيته من خلال بُنى فكرية تدّعي التقدمية وهي في الواقع تجّتَر شعارات ومفاهيم جامدة. يحاول من خلالها الفكر، في حلقة مفرغة، إعادة إنتاج نفسه، فيصبح فكراً عاجزاً. يعجز عن تملك الواقع موضوعياً، يقدّس شعاراته ورموزه، ينزلق إلى موقع الفكر الرجعيّ، وإن نادى بالتقدمية ومحاربة الإمبريالية. يحاول أن يُغطي عجزه، فيحتكر العلمية ويحتكر فهم الواقع وهو في الواقع يُكبل الواقع وحركته من خلال بنيته ومن خلال إسقاط الماضي على الحاضر وحركته المستمرة.

الشعوب منحازة لإنسانيتها، أعني بالشعوب بمن هم تحت، وكل من ينحاز لهم ويعطيهم الأولوية ويُشكل معاييره على هذا الأساس. أي إعتبارات أخرى تتعلق بالأمن القومي، أمن الأمة أو البلد أو الوطن، المؤامرات الصهيو-أمريكية أو مريخية، لا يجب منحها الأولوية، خاصة إذا كانت هناك مطالب محقة، وخاصة إذا كان السائد عفن أصلاً، يفرض أضداداً وهمية يُبرر من خلالها صراعاته وقمعه وحروبه. الصراع الأساسي هو الصراع بين المُستَغِل بكافة أشكاله وبين المُستَغَل … له الأولوية.

Advertisements

4 تعليقات

  1. رياض Riyadh كتب:

    مقال اكثر من رائع أتفق معك في كل ما طرحته .
    لي مقال ذو علاقة ما “في غياب المرجعيات ” تجده على مدونتي
    http://rmkaradi.wordpress.com/2011/04/11/%D9%85%D8%B1%D8%AD%D8%A8%D8%A7%D9%8B-%D8%A3%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/

  2. Rafa Almasri كتب:

    ليش ما عم تكتب ؟

    • moukadem كتب:

      شو هل طلة الحلوة؟
      أنا مش نشيط كتير بالتدوين، وخاصة بهل فترة مع عجقة الشغل
      لكن قريباً رح دوّن هلوساتي الجديدة 🙂
      أحلى تحية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: