الرئيسية » فكر » البُنى الفكرية والمفاهيم – الحرية مثالاً (١)

البُنى الفكرية والمفاهيم – الحرية مثالاً (١)

La_democratie_JPA_huile_toile La démocratie, huile-collages 2005, JPA

مقدمة – أُسس نظرية:

يختلف التجريد ويتنوع بإختلاف البنية الفكرية التي تنتجه، وهذا الإختلاف يُحتّم الإختلاف في الرؤية وفي تفسير الواقع والظواهر وبالتالي يُحتّم الإختلاف في تفسير وفهم المصطلحات والمفاهيم.
يمكن لأي فئة أن تحلل الواقع وتنظر إليه بالطريقة التي تراها صائبة، بغض النظر عن صوابية رؤيتها موضوعياً. فالأمر هنا لا يقتصر فقط على الإعتراف بالواقع الموضوعي من عدمه، الأمر متعلق بالمعايير المتبعة لفهم هذا الواقع. عندما نتكلم عن المعايير سنستحضر حتماً ما يُسمى بالمنهج الفكري، الذي يحدد بدوره المعايير المتبعة، وهذا المنهج هو جزء لا يتجزأ من ما يسمى بالبنية الفكرية. البنية الفكرية هي إنعكاس للواقع وتناقضاته، وعندما نقول إنعكاس لا نعني بأن البنية الفكرية تُنتَج بشكل ميكانيكي عن الواقع، وإنما هناك علاقة جدلية بينهما؛ بحيث يؤثر الواقع في تشكيل هذه البنية الفكرية وهي بدورها تؤثر في الواقع وتغيره. الإختلاف والتنوع في الآراء أمر بديهي إذن، فالواقع متنوع ومتحرك، وهذا الأمر ينعكس بشكل واضح في البُنى الفكرية التي تختلف بدورها وتتقاطع أو تتناقض أو حتى تتماثل وإن تصارعت. يُنتج عن هذه الحركة الدائمة، أولويات مختلفة، تتجلّى بوضوح في تعريف المفاهيم وتأويلها.

ما نقوم به الأن ليس ترفاً فكرياً أو سفسطة لغوية، إنها محاولة متواضعة لترجمة واقع معيّن، نلمسه ونعيشه في حياتنا اليومية من خلال مواقف نؤيدها أو نرفضها وتمس حياتنا السياسية والإجتماعية على حدٍ سواء. تتبلور هذه المواقف من خلال البنية الفكرية التي ننتمي إليها وهي التي تحدد طريقة فهمنا للمفاهيم بصفتها ضرورية لتنظيم فهم الواقع أو هكذا يجب أن تكون.

لكي لا نبقى في الفضاء النظري، سنحاول أن نبدأ سلسلة مواضيع نتناول فيها مجموعة مفاهيم محددة وسنحاول أن نفسرها من وجهة نظر عدة بُنى فكرية بإختلاف معاييرها وأولوياتها.

الحرية

١. في بنية الفكر البرجوازي التابع* – الأنظمة العربية مثالاً:

منطق الأنظمة في الدول العربية التي يمكن تصنيفها ضمن الأنظمة البرجوازية التابعة، هو أن شعوبها غير جاهزة للحرية والديمقراطية بعد، لهذا يجب على البلاد أن تمر في مرحلة إنتقالية تتمثل في شكل الأنظمة الحالية. طبعاً هذه الأنظمة لا تحدد مهلة أو حد أقصى لهذه المرحلة، لا بل من السذاجة أن ننتظر منها ذلك، فالإنسان العربي في منطق هذا الفكر محكوم ببنيته الإجتماعية الأبوية، بنيته النفسية تُحتّم وجود سلطة أبوية تتحكم بتصرفاته وقراراته فيما يخص الأمة والوطن، النظام هو سفينة النجاة والرئيس هو ربانها، فالحرية لهذه البنية الفكرية تعني حصراً الحرية للحزب الحاكم وذيوله ولا أحد سواهما.

٢. في بنية الفكر البرجوازي الإمبريالي – الأنظمة الأوروبية مثالاً: 

منطق الأنظمة البرجوازية الإمبريالية، حيث أنظمتها السياسية يمكن تصنيفها بالليبرالية، هو أن الأولوية لحرية رؤوس الأموال وإن تحولت هذه الحرية الإقتصادية إلى عائق للحرية الفردية نفسها، لا يهم. فعندما يكون النمط الإنتاجي قائماً على مبدأ الربح السريع وتكثيف الثروات في أيدي أولغارشية مالية تتحكم بسياسة الأنظمة بشكل يخدم مصالحها الإقتصادية، وعندما تصبح هذه الطغمة ممسكة بالإعلام والمؤسسات الرسمية والمناهج التعليمية، لا يعود بالإمكان التكلم عن حرية فردية وحرية إبداء رأي بشكل مطلق. الحرية لهذه البنية الفكرية هي الحرية لرؤوس الأموال وأربابها وعندما تتعارض حرية البرجوازية مع الحريات الشعبية، فهي لن تتوانى للحظة – أي البرجوازية وأدواتها – بإستعمال وسائل قمعية مباشرة أو غير مباشرة.

حرية التعبير عن الرأي من الثوابت الإنسانية التي لا يجب التنازل عنها تحت أي حجة إن كانت، لكن فعل التعبير من دون فعل التأثير لا محل له من الإعراب، وهنا هي حدود الحرية بالمفهوم الليبرالي ولعل ما جرى مؤخراً في فرنسا والحراك الشعبي والعمالي التي لم تشهده البلاد منذ عام ١٩٦٨ والذي جاء إعتراضاً على مشروع قرار تمديد سن التقاعد الذي أصبح قانوناً سارياً الأن بالرغم من المعارضة الواسعة له، يشكل مثالاً على حدود الحرية الليبرالية التي نتحدث عنها.

٣. في  بنية الفكر البروليتاري – الثورات العربية مثالاً:

هو منطق العيش الكريم، من دون أجهزة مخابرات وأجهزة تعذيب تُهين المواطان عشرات المرات في اليوم، هو منطق الفكر الذي يرفض الإنصياع لمنطق القطيع مهما تعددت الأسباب والحجج، منطق الفكر الرافض للسجود للزعيم وحمل صوره لأخذ البركة من نظراته عند كل مطلع فجر، هو منطق الفكر الرافض لذكورية المجتمع بالمعنى الطبقي لمفهوم الذكورية، منطق الإنسان الذي يعبر عن إنسانيته ويمارسها، فينتفض على من يستغله، على من ينهب قوة عمله ويرمي له بالفتات ويجلده إذا عصى الأوامر ويخونه إذا طالب بحريته، فيصبح سلفيٌ من رجس الشيطان أو صهيوني يريد خراب الأمة. الحرية لهذه البنية الفكرية هي الحرية للعمال والكادحين والمُستغلين، الحرية لمنتجين ثروات المجتمع وخيراته، الأولوية لهم.

لم تنتظر الجماهير في البلدان العربية لأي خطة عمل أو مخلّص لكي تنتفض مطالبة بالحرية، ونجحت بهذا بكسر إطار "الأيديولوجيات الخشبية"- وإن كنت أرى تعارضاً بين مفهوم الأيديولوجيا كعلم الأفكار وصفة “خشبية” (سنعالج هذه النقطة في موضوع منفصل) – لكن المقصود هو من يدعي أنه يمتلك خارطة طريق لثورات الشعوب، أو من يرفض تسمية ما يجري بالبلدان العربية بالثورات فقط لأنها لا تناسب المواصفات التي يؤمن بها أو لا تناسب مصالحه الفئوية الضيقة، فيحتكر العلمية والثورية و المقاومة، مرصعاً علمه بالمنجل والمطرقة كان أم بالثورة الإسلامية، لا يهم، هذا الفكر  بإختلاف تياراته وتعددها وتعارضها أحياناً، هو هو الفكر الإنتهازي، الفكر البرجوازي المنافق عدو الحرية بمعناها البروليتاري، ونجاح الثورات العربية مرتبط بمدى إنحيازها للحرية التي إنتفضت من أجلها الجماهير، وهي ليست حرية رؤوس الأموال ولا حرية أحزاب العبودية والجهل، مقاومة ممانعة كانت أم منبطحة.

للحرية إتجاهٌ واحد، يُنيره هؤلاء الذين ليس لديهم ما يخسرونه سوى الأغلال، هم بوصلة النظرية والتطبيق والفلسفة والتحالفات والمواقف والمعارك .. يبقى لنا الإختيار.

* المقصود بالفكر البرجوازي التابع  – سموه ما شئتم، الأولوية للمعنى المقصود – هو الفكر المسيطر في البلاد التي تخضع إلى أنظمة برجوازية كولونيالية، حيث الطبقة البرجوازية لم تكن ثورية في طور تاريخي معيّن، بل وجودها الطبقي إرتبط بطور أزمة النظام الرأسمالي العالمي الذي حتم إرتباطها التبعي بمراكز القرارات العالمية.

Advertisements

تعليق واحد

  1. رياض Riyadh كتب:

    ” وإن تحولت هذه الحرية الإقتصادية إلى عائق للحرية الفردية نفسها ” لم تذكر أمثلة لحالات واقعية في هذه المجتمعات والدول , ثم هل هذه الحالات تشكل ظاهرة سائدة أم مجرد حالات استثنائية هامشية؟! ( بالنسبة لك فهي سائدة ولذلك اعتبرتها امرا بديهيا يعرفه كل من يقرأ هذا المقال ! ). كيف تكون الحرية الاقتصادية عائقا للحريات الفردية في حين أن هذه الحريات الاقتصادية هي وليدة أو نتاج هذا الجو من الحرية الفردية ؟!!!
    هذه الدول ( الامبريالية ) ليست كاملة ولا اعتقد انها تؤمن بالكمال لكنها وهي تخطط للتقدم وضعت اساس وحددت معيار أولي هو الحرية ليست الحرية المطلقة فهذه لا وجود لها ولكن هناك مخرجات سلبية للحرية , فضريبة التقدم خير من ضريبة التأخر والتخلف . ما هو المطلوب ؟ نزع قيمة الحرية ؟ ! أم هناك نوع اخرمن الحرية بديل وما هو ؟!
    حتى الحريات الاقتصادية لها حدود في هذه الدول مثل ” قانون منع الاحتكار ” هذا القانون هو الذي ادى الى تقسيم شركة كبرى مثل AT&T وهو نفس القانون الذي كبح جماح مايكروسوفت وألجمها . والأمثلة كثيرة . وبعدين هذه الشركات الكبرى العابرة للقارات هي التي تسهم في بناء المجتمع يعني رجل اعمال مثل بيل جيتس مثلا رأس مال جمعيته الخيرية ” بيل اند ميريلاند ” قبل 5 اعوام كان 30 مليار دولار ولما سئل مالذي ستفعله بثروتك بعد موتك اجاب بأنه سيودعها جمعيته الخيرية وسيبقي فقط على 10 % من ثروته ميراث لأسرته .
    ” الحرية لهذه البنية الفكرية هي الحرية لرؤوس الأموال وأربابها وعندما تتعارض حرية البرجوازية مع الحريات الشعبية، فهي لن تتوانى للحظة – أي البرجوازية وأدواتها – بإستعمال وسائل قمعية مباشرة أو غير مباشرة. ” ايضا لم تذكر لنا حالات وأمثلة للقمع الذي تشير اليه عدم ذكرك للأمثلة يعني انها حالات شائعة وبديهية ولا تحتاج الى استطراد او ذكر !! لكن ذاكرتي لا تسعفني في تذكر بعضها مما يعني انها وليدة تضخيم العود الذي في أعين الآخرين إلى اخر المثل التوراتي أو الانجيلي .
    ” لكن فعل التعبير من دون فعل التأثير لا محل له من الإعراب، وهنا هي حدود الحرية بالمفهوم الليبرالي ” !! باعتقادك هذا قانون مكتوب أم متعارف عليه يعني ” مسموح لك تعبر بس مش مسموح لك تؤثر !! ” وأي نظام أو فكر او دولة أو مجتمع يمكنه أن يضمن شرط عجيب كهذا لحرية التعبير ؟! ومن هذا الذي يحجر على الملايين أن لا تتأثر سلبا او ايجابا بأوجه الخطاب المعلنة او السائدة او المهيمنة ؟ !أوليست حرية التعبير هذه هي التي تقود وزراء ورؤساء حكومات ورؤساء إلى المحاكم والتحقيقات بتهم مختلفة ؟! ثم كيف تفسر تأثر فئات او قطاعات من الشعب الأمريكي مثلا لوسائل الدعاية والخطاب الموجه ؟! وكيف ومتى يكون التعبير له تأثير ؟!!! أم أن التأثير المطلوب هو أن يؤدي إلى نتائج تتسق مع ما تؤمن به وتعتقده من فكر ؟ّ! ما هو البديل ؟ !!
    ” هؤلاء الذين ليس لديهم ما يخسرونه سوى الأغلال ” و ” منطق الأنظمة البرجوازية الإمبريالية ” يا صديقي هذه عبارات معجمية لم تعد تصلح لنقد الواقع الرأسمالي في القرن الواحد والعشرين. أعرف تماما المشروع البديل الذي تقترحه بين ثنايا مقالاتك . الاقتصاد الاشتراكي بمسمياته وتنقيحاته المختلفة . هناك من المآخذ واوجه النقد ما يمكن توجيهها للرأسمالية لكن يجب طرح بديل افضل اسلوب القص واللزق لم يعد يُجدي نفعا.
    ما يميز هذا المقال لغته التعميمية والنظرة البديهية لسلبيات الفكر المخالف وتضخيمها بحيث يغدو الاستثناء قاعدة والعكس صحيح –لغة فلسفية سامقة ومبهرة وعبارات براقة عالية المستوى مقارنة بغياب التحليل الدقيق هذه احدى مخرجات الفكر الراديكالي الذي لا يرى أي ايجابيات في الفكر المخالف . فيعمل لا على النقد والتحليل بل الى النسف والتدمير فهو يؤمن بشكل مطلق بضلال الفكر المخالف ومن جهة اخرى يؤمن على نحو اعمى ايضا بصواب فكره البديل ( هذا البديل الذي لم تطرحه انت في مقالك ربما بحجة ان هذا جزء من مقال ) يعني غياب للنقد الحقيقي للآخر وللذات .
    ارجوا ان لا تزعجك اطالتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: