الرئيسية » فكر » “الشعب” مصطلح مائع بحاجة إلى تصويب

“الشعب” مصطلح مائع بحاجة إلى تصويب

Shadr-stone-proletariat

لا يخلو خطاب أي مسؤول سياسي في البلاد العربية أو غيرها من كلمة “شعب” والتي تأتي غالباً في إطار تفخيمي؛ كلهم من دون إستثناء يريدون مصلحة الشعب، العظيم طبعاً!

لفهم ما المقصود من هذا المصطلح الشهير يجب أن نعود إلى الخلفية الفكرية لمستخدميه. فالشعب، بعكس ما يعتقد البعض، مصطلح يحتمل عدة تأويلات .

– في لبنان مثلاً، غالباً ما يخاطب الزعيم طائفته من خلال كلمة شعب، التي يحرص على تمثيلها سياسياً كطائفة وليس كجزء من الشعب بالمعنى الوطني الجامع وإن إستعمل مصطلحات مثل “العيش المشترك” و”إخواننا في الوطن” وما إلى هنالك من خزعبلات.

– في ثقافة الأنظمة العربية السائدة، أنظمة العائلة المقدسة، ينحصر عندها مفهوم الشعب بالتبعية لهذه العائلة وحزبها الحاكم، وكل من يخرج عن بوتقة الحزب لا ينتمي للشعب وسيتعرض حتماً لحملات شتم وتخوين.

– التيارات الإسلامية السائدة في البلدان العربية (تيارها الأساسي المتمثل بالإخوان المسلمين)، الوجه الأخر للأنظمة البائدة أو التي في طريقها إلى السقوط، يرتبط مفهوم الشعب عندها بكل من يقبل بالشريعة الإسلامية كقانون إلهي يُسيّر المجتمع. كل من يعترض فهو كافر أو زنديق.

القاسم المشترك بين جميع هذه التيارات الفكرية هو بنيتهم الإقتصادية المتماهية مع السياسات النيوليبرالية. مما يؤمن إستمرارية الواقع الحالي المتخلف في البلاد العربية،حيث التخلف كمفهوم مرتبط مادياً بواقع إنتاجي تبعي وغير منتج. نتيجة هذا الواقع تحديداً، إندلعت الثورات العربية معلنةً تفجير التناقضات الداخلية وإنطلاق سيرورة ثورية لا نشهد إلاّ بداياتها الأن.

– على صعيدٍ أخر، في أوروبا، العلاقة بين المواطن والدولة لا تمر عبر الطائفة أو الحزب أو العائلة بل عبر مجموعة قوانين ومؤسسات. عندما يخاطب مسؤول سياسي الشعب يقصد كل من هو حائز على جنسية البلد المعني، حيث الجميع لديهم نفس الحقوق والواجبات في إطار ما يُسمى بالمواطنة. لكن لا يجب أن ننسى بأن الشعب هنا – في هذا السياق – هو جوهر قائم بذاته؛ أي أن كل التناقضات الموضوعية بين فئات هذا الشعب تُلتغى أو تُميّع وهنا المشكلة. المواطنة تعكس جزء من البعد الإجتماعي والسياسي لعلاقة الفرد بالمجتمع، لكن لا يكتمل تحديدها الموضوعي إلا بتحديد واقع بنيتها الإنتاجية. إنها تُفرّغ من بعدها العلمي والإنساني عندما لا تأخذ بعين الإعتبار الفروقات الطبقية بين أفراد المجتمع.

في فرنسا مثلاً، ساركوزي الذي يمثل تيار من اليمين الفرنسي، يخاطب شعبه كرئيس شركة خاصة يُريد إقناع الموظفين بأن سبب الأزمة المالية هو ضعف الإنتاج الذي يتحملون هم مسؤوليته (أي شعبه)، وفي المقابل يُجرد الفرنسيين من مكتسباتهم الإجتماعية لمصلحة البنوك والشركات الإحتكارية. هذه المكتسبات أتت نتيجة نضالات وتضحيات الطبقات الشعبية وعلى رأسها الطبقة العاملة. بإسم المواطنة، يحرص على وضع دليل "كيف تكون فرنسياً جيداً" من خلال إثارته عدة قضايا تبرز التناقضات الثانوية بين المواطنين لإستكمال عملية النهب الممنهج، التي يرأسها هو لمصلحة الألغارشية الفرنسية.

الخلاصة

أي خطاب يتوجه إلى الشعب، أي شعب، يهمل التناقضات الطبقية هو خطاب مشبوه. الخطاب السياسي تُحركه خلفية أيديولوجية محكومة ببنيتها الفكرية. مصطلح شعب تحديداً، هو مصطلح مائع ما لم يتم ربطه ببنية فكرية معينة. لذا من يدّعي الحرص على حق الشعوب، عليه أن يكون حريصاً بالدرجة الأولى على إزالة مسببات العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية. من المستحيل أن يتم هذا الأمر، إلاّ برؤية طبقية لهذه المجتمعات وإنحياز تام للطبقات المُستَغَلة لتحصيل حقوقها، هذا الإنحياز يُترجم سياسياً من خلال وضع آليات عملية لتحصيل هذه الحقوق من ناهبّي الثروات ومتسلّقي الثورات، هؤلاء لا ينتمون إلى أي شعب أو عرق أو وطن أو دين؛ منطق رأس المال هو محركهم وإلههم الواحد أحد.

Advertisements

4 تعليقات

  1. القط كتب:

    تمامًا. السياسيين دائمًا ما يستخدمون عبارات و كلمات و شعارات و هم في الواقع يقصدون غيرها. يلعبون على الكلمات من أجل تبرير فشلهم أو تطرفهم و إنحيازهم لاحقًا تحت حجة المعاني المتعددة. الشعب عبارات فضفاضة و يجب توضيحها في كل مرة يتم إستخدامها.

    • moukadem كتب:

      عندما يستعمل أي سياسي كلمة شعب عدة مرات في خطابه تعلم مباشرة أنه كاذب. هو لن يوضح ما المقصود لكن على من يتلقى الخطاب أن يستنبط ما المقصود تحديداً.
      كل عام وإنت بخير صديقي. بتمنالك كل النجاح وراحة البال.

  2. shanfara كتب:

    نسيت التيار الرابع في الوطن العربي
    التيار العلماني: عندما يقصد بالشعب في خطابه و كتاباته فانه يقصد كل من لا يقبل الدين في حياته و مقتنع أن الديمقراطية الحقيقية هي الديمقراطية التي تضع العلمانين كنتيجة انتخابات حرة حقيقية و كل ما عدا ذلك فهو مزور، أما الباقي ممن يجعلون الدين محور حياتهم فهو ليس باختيارهم فهم مجرد حيوانات تم ترويضها من قبل أسيادها من المشايخ و المتعصبين.

    • moukadem كتب:

      معك حق صديقي كان لازم إحكي عنهم، بس هودي أعتبرهم ذيول للمنطق الليبرالي لي حاولت شرحه من خلال مثل فرنسا. الفارق هو إنه قرطة العلمانيين في البلاد العربية يحملون الوجه الرجعي لليبرالية فقط ويريدون إسقاطها بطريقة ساذجة على المجتمعات العربية وشعوبها بوقت بلش التاريخ بعملية نبذ الليبرالية من مصدرها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: