الرئيسية » فلسفة وعلوم » التسويق العصبي: من الكوكاكولا إلى السياسة

التسويق العصبي: من الكوكاكولا إلى السياسة

لماذا نختار منتجاً تجارياً دون الأخر؟ ما هي العوامل التي تؤثر على قراراتنا في الشراء؟ وهل "العقلانية" هي دائماً سيدة الموقف؟
التسويق العصبي، مجال علمي حديث نسبياً، يهدف إلى الإجابة على هذه الأسئلة من خلال دراسة الدماغ البشري وإنفعلاته أثناء التسويق لمنتج معيّن (من خلال الإعلانات مثلاً). الفارق الأساسي بين هذه التقنية في التسويق والتقنيات القديمة هو إنها تحاول أن تؤثر مباشرةً على وعي المستهلك من خلال محاولة فهم آلية أخذ القرارات في الدماغ.

بيبسي vs. كوكاكولا

من أحد الأمثلة الشهيرة التي توضح لنا آلية عمل التسويق العصبي، هو الدراسة التي أجراها سامويل (Dr. Samuel McClure) وفريقه من جامعة هيوستن [1]. تهدف هذه الدراسة إلى معرفة العوامل التي تؤثر على تفضيل مشروب على آخر؛ في المرحلة الأولى، تم تقدمة نوعين من المشروب (بيبسي وكولا) إلى مجموعة من الأشخاص من دون إطلاعهم على النوع الذين يتذوقونه وفي المرحلة الثانية تم إطلاعهم على النوع قبل التذوق، وفي الحالتين تم دراسة إستجابة الدماغ بواسطة تقنية الرنين المغناطيسي (IRM).

Image1

صورة ١: نشاط الدماغ عند معرفة الماركة [1].

في الحالة الأولى، لم يكن هناك فارق كبير في تفضيل مشروب معيّن على أخر، وبالفعل، نتائج الرنين المغناطيسي أظهرت نفس القدر من الإشارات في نفس الجزء من الدماغ (الرجاء مراجعة الدراسة لمزيد التفاصيل العلمية). وهذا أمر طبيعي بحيث أن التركيبة الكيميائية لهذه المشروبات متقاربة جداً.

في الحالة الثانية (حيث تم الإفصاح عن العلامة التجارية قبل التذوق) تبيّن أن هناك أفضلية للكوكاكولا على البيبسي. ما تم ملاحظته هو عندما يعلم المتذوق الماركة وخاصة ماركة الكوكاكولا سيؤثر ذلك جذرياً على قراره. صور الرنين المغناطيسي أثبتت أن هناك أجزاء أخرى من الدماغ تنشط (صورة ١) عند معرفة ماركة الكوكاكولا وهذه الأجزاء من المعروف عنها أنها تتفاعل بقوة في لحظات القرارات والإنحياز [2] (biases behavior). هذا دليل واضح أن صيت العلامة التجارية يمكن أن يطغى على الجودة الفعلية للمنتج.

التسويق العصبي في السياسة

إذا كان التسويق العصبي أثبت فعاليته في مجال تسويق المنتجات التجارية فماذا عن السياسة؟ وخاصة إذا نظرنا إلى الأفكار والشخصيات السياسية على أنها سلع يتم تسويقها؟ هل دائماً الخيارات السياسية تكون “عقلانية”؟

من إحدى الدراسات الشهيرة في هذا المجال، هي الدراسة التي قام بها د. ويستن[3] (Drew Westen) أثناء الحملة الإنتخابية في الولايات المتحدة العام ٢٠٠٤، حيث تم تعريض عدد من الداعمين للحزب الجمهوري وعدد من الداعمين للحزب الديمقراطي إلى تقنية الرنين المغناطيسي وتم عرض مشاهد لشخصياتهم المفضلة (جورج بوش وجون كيري) وطُرح على المتطوعين عدد من الأسئلة التي تحفز كشف التناقضات في المواقف الرسمية لكل حزب. صُور الدماغ أثبتت نشاط المنطقة المتعلقة بالعواطف – emotions – presumably the amygdala and/or cingulate gyrus – عند المطالبة بإنتقاد الشخصية المفضلة وبالفعل معظم المتطوعين لم يقدروا أن يكتشفوا نقاط التناقض، والمناطق الدماغية المسؤولة عن التفكير الموضوعي (presumably the prefrontal cortex) لم تستجب خلال هذه الدراسة.

هنا تم إستعمال هذه التقنيات لتأكيد حقائق من الممكن أن تكون بديهية لدى البعض، لكن يمكننا إعتبار نتائج هذه الدراسة كدليل مادي وعلمي على أن العقلانية ليست دائماً سيدة الموقف في قراراتنا السياسية، طبعاً هذا من دون الدخول في العوامل التاريخية والإجتماعية التي رافقت هذه الدراسة.

خلاصة

ما تقوم به بعض الشركات العالمية الكبرى قبل التسويق لمنتجاتها، هو دراسة الإعلانات وعرضها على مجموعة من المتطوعين أثناء تعرضهم لأجهزة الرنين المغناطيسي وتعديلها لكي تؤثر على مناطق معينة من الدماغ لتجعل قرار المستهلك لصالحها.

أثبتت بعض الدراسات أيضاً أن بعض المنتوجات العالمية، كالماركة الشهيرة Apple تؤثر على نفس المنطقة من الدماغ التي تؤثر عليها الغيبيات والأديان، فاشراء بعض المنتوجات يتم نتيجة العادة ونتيجة عمل لاواعي يعبر عن “إعتناق” المستهلك للمنتج (الفيديو أدناه). السياسة والأيديولوجيا ونشر البروباغندا ليسوا خارج نطاق التسويق العصبي. بالطبع هذا لا يعني أن هذا المجال يمكن أن يفسر كل ميولنا وقراراتنا كا بشر، إلا أنه أثبت فعاليته في مقاربة الواقع بشكل موضوعي من خلاد دراسة الدماغ مباشرةً والبدء في فهم آليات أخذ القرارات التي تخص منتوجات تجارية أو خيارات سياسية، والفهم هو الخطوة الأولى والأساسية قبل محاولة التأثير والتوجيه في أي ظاهرة طبيعية وعلمية.

مصادر

[1] Samuel M. McClure et al., neural Correlates of Behavioral Preference for Culturally Familiar Drinks, Neuron, Vol. 44, 379–387, October 14, 2004, Copyright 2004 by Cell Press

[2] Davidson, R.J., and Irwin, W. (1999). The functional neuroanatomy of emotion and affective style. Trends Cogn. Sci. 3, 11–21

[3] Westen, D. (2008). The Political Brain: The Role of Emotion in Deciding the Fate of the Nation. Public Affairs, New York

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: