الرئيسية » فلسفة وعلوم

Category Archives: فلسفة وعلوم

في نظرية الفوضى والحتمية التاريخية

منذ عهد نيوتن حتى مطلع القرن العشرين، كان المجتمع العلمي يعتقد أن العالم هو عبارة عن آلة ضخمة تحركها قوانين حتمية يمكن وصفها بمعادلات رياضية دقيقة ويمكن عندها التنبؤ بحالاتها المستقبلية إعتماداً على حالتها الراهنة. نظرية أينشتاين في النسبية الخاصة والعامة من بعدها، والتي ضحدت فكرة المطلق في الزمان والمكان في نظرية نيوتن وجعلتهما نسبيان، مما يمكن إعتباره ثورة علمية ساهمت بتغيير البراديغم العلمي السائد آنذاك، لم تؤثر في مبدأ الحتمية بمعناها الفلسفي المرتبط بمبدأ السببية والقدرة على التنبؤ.  تم طرح مسآلة الحتمية العلمية تحت المساءلة عملياً عند نضوج نظرية الكم وتحديداً عند بلورة فكرة الإزدواجية بين الجسيمية  والموجية (Wave-particule duality) التي يتصف بها الضوء، والتي تم تعميمها على المادة، ومن بعدها أتت نظرية للادقة (Uncertainity principle) من خلال الألماني هايزنبرع الذي أعتبر أن الجسيمية للعالم الذري لا يمكن تحديد موقعها وسرعتها بالدقة نفسها، عندها دخل مفهوم الإحتمالية كنقيض للحتمية العلم من بابه العريض وليس لتغطية جهلنا بالواقع كما كان سائداً من قبل وإنما كحاجة موضوعية في صلب العالم الميكروسكوبي.

نظرية الفوضى (chaos theory)

أخذت نظرية الفوضى شهرتها الحالية من خلال الأميركي إدوارد لورانز (Edward Lorenz) عالم الأرصاد الجوية عندما لاحظ بالصدفة عام ١٩٦٣ أن تغيّرات طفيفة في الشروط الأولية في المعادلات الرياضية التي تحاكي نظام الطقس، يمكن أن تؤدي إى نتائج مختلفة راديكالياً (من طقس مشمس إلى أعاصير مثلاً). لورانز تمكن من إكتشاف ذلك لتوفر الظروف التكنولوجية المناسبة في عصره (بدء ثورة المعلوماتية). الأساس في هذه النظرية كان عالم الرياضيات الفرنسي هونري بوانكاريه المؤسس النظري الفعلي لنظرية الفوضى كما نعرفها اليوم، عندما تحدث في أواخر القرن التاسع عشر عن الأنظمة الحساسة للشروط الأولية.

نظرية الفوضى تخص الأنظمة الديناميكية ( التي تتغير خصائصها مع الوقت) اللاخطية والتي تبدي نوعاً من الفوضى في سلوكها. هذه الفوضى تعود إلى عاملين أساسيين:
-عدم القدرة على تحديد العوامل الأولية أو البدئية بدقة عالية جداً.
-عامل ثاني يخص طبيعة هذه الأنظمة نفسها وحساسيتها العالية جداً للشروط الأولية مما يؤدي إلى نتائج مختلفة جذرياً عند أي تغيير طفيف في هذه الشروط البدئية.

lorenz (1)

الجاذب الغريب  (strange attractor) لمعادلات لورنز والتي توضح الهيكل الإجمالي لحركة الطقس

هذه الحساسية العالية عبّر لورينز عنها بشكل كاريكاتوري عندما قال أن  إعصار ممكن أن يضرب نيورك يكون سببه رف جناح فراشة في البرازيل. يجدر الذكر هنا أن الحالة الفوضوية لهذه الأنظمة لا تعني أننا لا يمكننا التنبؤ بحالتها المستقبلية. الأنظمة الفوضوية هي أنظمة حتمية ويمكننا التنبؤ بحالتها المستقبلية لكن بحدود معينة. محدودية التنبؤ تفرضها حساسية وطبيعة هذه الأنظمة التي تجعلها شديدة اللاتنبؤ بعد حدود معينة. هذه الجدلية بين الحتمية واللاحتمية، التنبؤ واللاتنبؤ، تستدعي  نقاشاً فلسفياً برأيي يوازي الخصائص العلمية لهذه الأنظمة التي لا يمكن الإستفاضة بشرحها في هذه المساحة الضيقة.

ماركس والحتمية التاريخية

نظرية الفوضى تطبق على العديد من الأنظمة الديناميكية كالتنبؤات الجوية، حركة الأسهم المالية وإقتصاد السوق، التطور الديمغرافي، حركة النظام الشمسي … هناك مئات الأمثلة التي تعطينا إياها الطبيعة والتي يمكن فهمها من خلال نظرية الفوضى. ما يهمني هنا علاقة هذه النظرية العلمية بالنظرية الماركسية وخصوصاً علاقتها بالحتمية التاريخية التي تعالج مسآلة المجتمعات البشرية والقوانين التي تتحكم بها وبتاريخها وحركتها.

تناولت العديد من المدارس الماركسية مسآلة الحتمية التاريخية كنظرية تطبق على المجتمعات البشرية وتاريخها وتنص على أن التاريخ مثله مثل كل شيء في الطبيعة، يخضع إلى قوانين علمية تحدد حركته وكيفية تطوره. هذه القوانين تهدف إلى فهم الواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي وبالتالي معرفتها وفهمها يخولنا توقع المستقبل والتحكم به "لتعجيل حركة التاريخ"التي هي حركة حتمية ستنتهي حتماً بالإشتراكية بعد المراحل الأربعة الأولى: المشاعية البدائية، نظام الرق، الإقطاع والرأسمالية.

عدة أسئلة بديهية يمكن أن تُطرح في هذا السياق:إلى أي مدى يمكن التحكم بواقعنا؟ إلى أي مدى يمكن توقع المستقبل في ظروف معقدة ومتشابكة كتلك التي تخص المجتمع والتاريخ البشري؟

فيلسوف العلم كارل بوبر يقول بإستحالة التوقع وينتقد بشدة ما يسميه بالنزعة التاريخانية. هذا أمر طبيعي لأن كارل بوبر المثالي فلسفياً والمدافع الشرس عن الليبرالية، بالتأكيد لن يتبنى نظرة مادية للتاريخ. بالمقابل الفهم الميكانيكي للماركسية والمعروف بالنزعة الإقتصادوية هو فهم سطحي سيجاوب على الأسئلة المطروحة أعلاه بشكل حتمي قاطع لا يترك أي مجال للنقد العلمي؛ فحركة التاريخ هي حركة ميكانيكية يمكن التنبؤ بتفاصيلها لأننا ببساطة نمتلك القوانين التي تتحكم بها والتي صاغتها الماركسية.

طبعاً، أنا أعارض النظرتين؛ مدرسة كارل بوبر والمدرسة الماركسية الميكانيكية. نظرية الفوضى توضح لنا أن بإمكاننا إكتشاف النظام والتراتب في صلب ما يبدو لنا كأنه فوضى ما إذا إستعملنا الأدوات العلمية المناسبة. لكن هذه النظرية توضح لنا أيضاً محدودية القدرة على التنبؤ في المدى البعيد، ليس لأن الطبيعة لا تخضع لقوانين حتمية (وهذا غير صحيح) بل لإستحالة توفر الدقة اللازمة في قياس الشروط الأولية وتحديدها. في نفس السياق، يجب أن تُفهم الحتمية التاريخية؛ إنها تعطينا فكرة عن التوجه العام لمستقبل المجتمعات البشرية، لكن لا يجب فهما أبداً على أنها حتمية قدرية لا مهرب منها. إنها تفسر لنا القوانين الإجتماعية والإقتصادية التي تتحكم بحركة التاريخ والتي تعطينا فكرة عن التوجه العام لهذا التاريخ بحيث يمكننا أن نؤثر به لصالح الأيديولوجية التي ندافع عنها.

مما لا شك فيه، تأثر النظرية الماركسية بمبدأ الحتمية العلمية لنيوتن ولابلاس الذي كان سائداً آنذاك. وهذا أمر أكثر من طبيعي لأنه يصب في جوهر النظرية الماركسية، كنظرية مادية تعتبر أن التاريخ البشري هو جزء من الطبيعة وقوانينه التي تتحكم بحركته يمكن إستنباطها من الطبيعة نفسها وليس من خارجها طبعاً. لهذا كما أعيد وأكرر دائماً: إعادة نقد الماركسية وتجديد مفاهيمها بشكل يجاري تطور العلوم الطبيعية هو أمر أكثر من حيوي وأساسي لكل الأحزاب الماركسية وللمهتمين في مستقبل أكثر عدالة وإنسانية.

حركة التاريخ والعلم

علي مقدّم

pbasin

إذا نظرنا إلى حركة تطور العلم وقارناها بحركة تطور المجتمعات البشرية وتاريخها، لوجدنا نقاط شبه كبيرة في ديناميكيتها وخصائصها. تطور المجتمعات البشرية من شكلها المشاعي البدائي إلى بنيتها العبودية ومن ثم الإقطاعية والرأسمالية، محكوم بقوانين لن أقول حتمية، كانظرية الحتمية التاريخية الكلاسيكية في علم التاريخ (التي كانت متأثرة بقوانين لابلاس ونيوتن في الرياضيات والفيزياء)، بل دعنا نقول إنها بين الحتمية والإحتمالية.. كذلك تطور العلم ونظرياته يخضع لقوانين مشابهة ومتداخلة في بنيتها وشروطها. ما أود أن أعالجه في هذا الموضوع تحديداً هو التشابه في مفهوم وخاصية اللامقايسة في حركة التاريخ والعلم.

في حركة التاريخ

كل حقبة تاريخية تتميز ببنية إنتاجية تتحدد من خلالها عدة خصائص؛ مثل شكل العلاقات الإنتاجية وشكل النمط الإنتاجي. هذه البنية الإنتاجية (أو البنية التحتية) ينتج عنها مجموعة قيّم وأفكار ومفاهيم تُشكل ما يُسمى بالبنية الفوقية. الحقبات الثورية هي عبارة عن سيرورة هدم وتحوّل للبنية التحتية والفوقية وصقل بُنى جديدة تكون نتيجة تحوّل كيفي يؤدي إلى إرساء واقع جديد. عملية القياس في المفاهيم بين حقبتين مختلفتين هو أمر غير ممكن لأن ببساطة المعايير التي يجب أن نبني عليها المقايسة والمفاضلة، مختلفة.

مثلاً، لا يمكن القول أن درجة الإستغلال في مجتمع رأسمالي هي أفضل من درجة الإستغلال في مجتمع إقطاعي. تقييم درجة الإستغلال في ظروف تاريخية معينة هو خاضع حتماً للبنية الإنتاجية ومعاييرها ومفاهيمها السائدة  التي ستتغير بتغير الظروف التاريخية التي ترافقها ثورات جذرية. معايير الإستغلال في مجتمع رأسمالي تختلف عن معايير الإستغلال في مجتمع إقطاعي وإن كان المجتمع الرأسمالي أتى نتيجة نفي شروط أزمة المجتمع الإقطاعي، لكنه أضاف مشكلات جديدة لم تكن من قبل مثل درجة التلوث البيئي، السيطرة الأيديولوجية المطلقة للإعلام المرتبط بنيوياً برأس المال، الحروب العالمية وملايين الضحايا، تحكم البنوك بقرارات الدول وفرض خطط تقشف على شعوب بأكملها …

في حركة العلم

حركة العلم شبيهة بحركة التاريخ؛ الثورات العلمية تؤدي إلى تحوّل كيفي في منهج دراسة الواقع الموضوعي. هذا المنهج أو البراديغم (paradigm) أو النموذج الإرشادي كما سماه فيلسوف العلم توماس كون١ (Thomas Khun)، هو شبيه بالبنية التحتية في المجتمعات، والمفاهيم المرتبطة بهذا النموذج يمكن إعتبارها كالبنى الفوقية. عند حدوث ثورة علمية يتجدد النموذج الإرشادي للمجتمع العلمي وبالتالي تتجدد مفاهيمه. و تصبح عملية المقايسة بين حقيقتين علميتين فصلتهما ثورة علمية أمر غير ممكن.

مثلاً، نستطيع أن نقارن بين النموذج الإرشادي في حقبة نيوتن والنموذج الإرشادي لأينشتاين من خلال مقارنة الأسس الرياضية التي يرتكز عليها كل نموذج، لكن لا يمكننا أن نقول أن نموذجاً يحتوي على كمية معرفية أكبر من الثاني. لأن المعايير المتبعة في كل نموذج مختلفة، فلا يمكن المقايسة المعرفية بينهما وإن كان النموذج الجديد قد حل معضلات لم يتمكن من حلها النموذج القديم، إلا أن معضلات جديدة ستولد حتماً مع الجديد وهي لم تكن موجودة في القديم. مثلاً، كيف يترابط بعد الزمن الرابع مع الأبعاد المكانية الثلاثة في الزمكان؟ كيف ينحني الزمكان بسبب وجود المادة والطاقة في المجال الكوني؟ كل هذه الأمور وغيرها غير موجودة في نموذج نيوتن لأن هندسته هندسة إقليدية والزمان والمكان مطلقان فيها، أما عند أينشتاين الهندسة لاإقليدية والمكان والزمان هما نسبيان.

خلاصة

مفهوم الحضارة مثلاً، مرتبط بالبنية الإجتماعية الطبقية وبالتالي بالشكل التاريخي لهذه البنية. حضارة نشأت ضمن علاقات إنتاج رأسمالية تختلف عن حضارة نشأت ضمن علاقات إنتاج إقطاعية. فلا وجود لحضارة بمفهومها المجرد إلا ضمن شكل تاريخي محدد بعلاقات إنتاجية سائدة. ومحاولة القياس ما هي إلا محاولة لإبراز حركة تطور مفهوم الحضارة على إنها حركة كمية متصاعدة وبالتالي يصبح المعيار الوحيد هو أخر ما توصلت إليه المجتمعات البشرية من أشكال للحضارة، أي بشكلها الرأسمالي النيوليبرالي المعولم، إذاً تُصبح هي المعيار وهي القدوة والمثال الذي يجب أن يُتبع! وهذا غير صحيح طبعاً.
كذلك، الحقيقة العلمية أي الموضوعية لا يمكن أن تكون مجردة ومطلقة بل إنها متغيّرة بتغير وعيها التاريخي والإجتماعي؛ الحقيقة الموضوعية هي مطلقة في ظروف تاريخية معينة وهي متحركة بتحرك هذه الظروف. حركتها كحركة التاريخ، حركة لا كمية ولا يمكن أن تكون مطلقة بالمطلق لأنها حركة والحركة هي نقيض الجمود والثبات والمطلق.

مصادر:
١- د. كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة، دار الفارابي

التسويق العصبي: من الكوكاكولا إلى السياسة

لماذا نختار منتجاً تجارياً دون الأخر؟ ما هي العوامل التي تؤثر على قراراتنا في الشراء؟ وهل "العقلانية" هي دائماً سيدة الموقف؟
التسويق العصبي، مجال علمي حديث نسبياً، يهدف إلى الإجابة على هذه الأسئلة من خلال دراسة الدماغ البشري وإنفعلاته أثناء التسويق لمنتج معيّن (من خلال الإعلانات مثلاً). الفارق الأساسي بين هذه التقنية في التسويق والتقنيات القديمة هو إنها تحاول أن تؤثر مباشرةً على وعي المستهلك من خلال محاولة فهم آلية أخذ القرارات في الدماغ.

بيبسي vs. كوكاكولا

من أحد الأمثلة الشهيرة التي توضح لنا آلية عمل التسويق العصبي، هو الدراسة التي أجراها سامويل (Dr. Samuel McClure) وفريقه من جامعة هيوستن [1]. تهدف هذه الدراسة إلى معرفة العوامل التي تؤثر على تفضيل مشروب على آخر؛ في المرحلة الأولى، تم تقدمة نوعين من المشروب (بيبسي وكولا) إلى مجموعة من الأشخاص من دون إطلاعهم على النوع الذين يتذوقونه وفي المرحلة الثانية تم إطلاعهم على النوع قبل التذوق، وفي الحالتين تم دراسة إستجابة الدماغ بواسطة تقنية الرنين المغناطيسي (IRM).

Image1

صورة ١: نشاط الدماغ عند معرفة الماركة [1].

في الحالة الأولى، لم يكن هناك فارق كبير في تفضيل مشروب معيّن على أخر، وبالفعل، نتائج الرنين المغناطيسي أظهرت نفس القدر من الإشارات في نفس الجزء من الدماغ (الرجاء مراجعة الدراسة لمزيد التفاصيل العلمية). وهذا أمر طبيعي بحيث أن التركيبة الكيميائية لهذه المشروبات متقاربة جداً.

في الحالة الثانية (حيث تم الإفصاح عن العلامة التجارية قبل التذوق) تبيّن أن هناك أفضلية للكوكاكولا على البيبسي. ما تم ملاحظته هو عندما يعلم المتذوق الماركة وخاصة ماركة الكوكاكولا سيؤثر ذلك جذرياً على قراره. صور الرنين المغناطيسي أثبتت أن هناك أجزاء أخرى من الدماغ تنشط (صورة ١) عند معرفة ماركة الكوكاكولا وهذه الأجزاء من المعروف عنها أنها تتفاعل بقوة في لحظات القرارات والإنحياز [2] (biases behavior). هذا دليل واضح أن صيت العلامة التجارية يمكن أن يطغى على الجودة الفعلية للمنتج.

التسويق العصبي في السياسة

إذا كان التسويق العصبي أثبت فعاليته في مجال تسويق المنتجات التجارية فماذا عن السياسة؟ وخاصة إذا نظرنا إلى الأفكار والشخصيات السياسية على أنها سلع يتم تسويقها؟ هل دائماً الخيارات السياسية تكون “عقلانية”؟

من إحدى الدراسات الشهيرة في هذا المجال، هي الدراسة التي قام بها د. ويستن[3] (Drew Westen) أثناء الحملة الإنتخابية في الولايات المتحدة العام ٢٠٠٤، حيث تم تعريض عدد من الداعمين للحزب الجمهوري وعدد من الداعمين للحزب الديمقراطي إلى تقنية الرنين المغناطيسي وتم عرض مشاهد لشخصياتهم المفضلة (جورج بوش وجون كيري) وطُرح على المتطوعين عدد من الأسئلة التي تحفز كشف التناقضات في المواقف الرسمية لكل حزب. صُور الدماغ أثبتت نشاط المنطقة المتعلقة بالعواطف – emotions – presumably the amygdala and/or cingulate gyrus – عند المطالبة بإنتقاد الشخصية المفضلة وبالفعل معظم المتطوعين لم يقدروا أن يكتشفوا نقاط التناقض، والمناطق الدماغية المسؤولة عن التفكير الموضوعي (presumably the prefrontal cortex) لم تستجب خلال هذه الدراسة.

هنا تم إستعمال هذه التقنيات لتأكيد حقائق من الممكن أن تكون بديهية لدى البعض، لكن يمكننا إعتبار نتائج هذه الدراسة كدليل مادي وعلمي على أن العقلانية ليست دائماً سيدة الموقف في قراراتنا السياسية، طبعاً هذا من دون الدخول في العوامل التاريخية والإجتماعية التي رافقت هذه الدراسة.

خلاصة

ما تقوم به بعض الشركات العالمية الكبرى قبل التسويق لمنتجاتها، هو دراسة الإعلانات وعرضها على مجموعة من المتطوعين أثناء تعرضهم لأجهزة الرنين المغناطيسي وتعديلها لكي تؤثر على مناطق معينة من الدماغ لتجعل قرار المستهلك لصالحها.

أثبتت بعض الدراسات أيضاً أن بعض المنتوجات العالمية، كالماركة الشهيرة Apple تؤثر على نفس المنطقة من الدماغ التي تؤثر عليها الغيبيات والأديان، فاشراء بعض المنتوجات يتم نتيجة العادة ونتيجة عمل لاواعي يعبر عن “إعتناق” المستهلك للمنتج (الفيديو أدناه). السياسة والأيديولوجيا ونشر البروباغندا ليسوا خارج نطاق التسويق العصبي. بالطبع هذا لا يعني أن هذا المجال يمكن أن يفسر كل ميولنا وقراراتنا كا بشر، إلا أنه أثبت فعاليته في مقاربة الواقع بشكل موضوعي من خلاد دراسة الدماغ مباشرةً والبدء في فهم آليات أخذ القرارات التي تخص منتوجات تجارية أو خيارات سياسية، والفهم هو الخطوة الأولى والأساسية قبل محاولة التأثير والتوجيه في أي ظاهرة طبيعية وعلمية.

مصادر

[1] Samuel M. McClure et al., neural Correlates of Behavioral Preference for Culturally Familiar Drinks, Neuron, Vol. 44, 379–387, October 14, 2004, Copyright 2004 by Cell Press

[2] Davidson, R.J., and Irwin, W. (1999). The functional neuroanatomy of emotion and affective style. Trends Cogn. Sci. 3, 11–21

[3] Westen, D. (2008). The Political Brain: The Role of Emotion in Deciding the Fate of the Nation. Public Affairs, New York

الهندسة الفراكتالية والمجتمعات البشرية

تعريف الهندسة الفراكتالية

الهندسة الفراكتلية أو الكسورية تهدف إلى دراسة الأشكال الهندسية المؤلفة من كُسَيْريات غير منتظمة ومعقدة والتي لا يمكن دراستها من خلال الهندسة الإقليدية الكلاسيكية. مصطلح الفراكتال مأخوذ من الكلمة اليونانية fractus أي الغير المنتظم والمكسور، إستعمله للمرة الأولى في الرياضيات الباحث الفرنسي الأمريكي من أصول بولندية، بينوا مانديلبرو (Benoit Mandelbrot) سنة 1974 والذي يُعتبر مؤسس الهندسة الفراكتالية [1].

أمثلة عن الأشكال الفراكتالية

من أهم خصائص الأشكال الفراكتالية هو تكرار بنيتها الهندسية (self similarity) إلى ما لا نهاية مهما إختلف المقياس (scale) مما يؤدي إلى تشابه الجزء للكل. من إحدى الأمثلة البسيطة عن الفراكتال هو ما يُسمى بمجموعة كانتور(cantor set)، حيث يمكننا أن نلاحظ في الرسم رقم ١، سلسلة عمليات الحذف من الخطوط المستقيمة. في كل مرحلة يتم حذف الثلث الأوسط من الخط ويتم تكرار هذا إلى ما لا نهاية.

cantor set

رسم ١: مجموعة كانتور

نلاحظ من الرسم رقم ١ التشابه الذاتي مهما إختلف المقياس، وكلما كررنا هذه العملية كلما زاد الرسم تعقيداً، بالرغم من بساطة العملية التي يتم تكرارها. وصف بنية هذا الرسم من خلال معادلات هندسية كلاسيكية، كالطول والمساحة هو أمر غير ممكن (لن ندخل بالتفاصيل الرياضية هنا وخاصة إنها لا تشكل الهدف الأساسي من الموضوع).

يمكننا أن نشاهد في الرسم٢ (إضغط على الصورة)، مثل أخر عن الهندسة الفراكتالية من خلال مقاربة شكل ندفة الثلج من خلال الإستعانة بمنحنى فون كوخ :

Von_Koch_curve رسم ٢: ندفة ثلج (koch snowflake)

هنا أريد أن أذكر ملاحظة بسيطة حول هذا المثل (رقم ٢) وقانون الدياليكتيك حول التحولات الكمية والكيفية. نلاحظ بأن من خلال مثلث بسيط ومن خلال تكرار عملية رياضية بسيطة، حصلنا على شكل معقد يقارب إلى حد بعيد شكل طبيعي معروف، والذي يمكننا إعتباره التحول الكيفي من بعد عدة تراكمات كمية..

الفيديو القصير التالي، يبرز عدة أمثلة عن الأشكال الفراكتالية الموجودة في الطبيعة :

 

فيديو ١:الفراكتال في الطبيعة

حسناً، الفراكتال مقاربة هندسية للطبيعة، من البكتيريا إلى المجرات. لكن ما فائدة كل هذا ؟

مقاربة الواقع الموضوعي من خلال معادلات رياضية يعني تملك هذا الواقع معرفياً، مما يسمح بإعادة إنتاجه في ظروف سهل التحكم بها وبالتالي التنبؤ بحركة تطوره وتغييرها إذا إقتضت الحاجة. ولا يجب أن ننسى خاصية التشابه في الفراكتال بحيث إذا فهمنا منطق شكل هندسي معيّن أو دينامية حركة معيّنة في مقياس محدد، يمكننا أن ننتج معرفة أعمق وأشمل عن هذه الحركة أو الشكل، من خلال إستعمال هذه الخاصية (أي التكرار والتشابه).

الفراكتال والمجتمعات البشرية

فيما يخص الفراكتال وعلاقته بالعلوم الإجتماعية، دراسات عديدة أُجريت، سنذكر بعضها هنا (لتكوين فكرة عامة فقط): دراسة حول تصرفات الفرد وديناميكية العلاقة مع محيطه[3]، أنظمة التنظيم الذاتي – [3] Self-Organization نخص بالذكر هنا العلاقة المستوحاة من مجتمع النمل والنحل (يمكننا معالجة هذا الموضوع المهم لاحقاً). مثل أخير عن بنية فراكتالية لمجتمع بشري، هو كيفية تنظيم القُرى لدى قبائل البا-إيلا (Ba-ila) الأفريقية. يمكننا أن نرى من خلال الرسم رقم ٣، صورة مأخوذة من الجو لقرية تعود لهذه القبيلة وبجانبها صورة توضح المقاربة الفراكتالية لهندسة هذه القرية (شكل التنظيم هذا لديه أسباب موضوعية متعلقة بعلاقة هذه القبيلة مع الطبيعة وبتأثير بعض الطقوس الروحانية):

Fractal_Ba_ilaرسم ٣: مقاربة فراكتالية لقرية قبيلة أفريقية[2] 

  • رؤية ماركسية

ما أود التركيز عليه أكثر هنا، هو العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية. الواقع الطبقي لهذه المجتمعات يُحتم وجود علاقات إستغلالية بين من يملكون وسائل الإنتاج وبين من لا يملكون إلا قوة عملهم، وهذه العلاقات تأخذ منحى أكثر تعقيداً عندما تتداخل عوامل أخرى تخص البنية الإجتماعية الفوقية كالطائفة أو الدين أو لون البشرة… لتوضيح العلاقة* بين الهندسة الفراكتالية وهذه العلاقات الإستغلالية سأتناول المثل التالي:

لنفترض بأن هناك فرد سنسميه هنا "أ"، يعيش في دولة رأسمالية متقدمة، ولنفترض بأن المدعو "أ" ينتمي إلى الطبقة العاملة، بحيث إنه يعتاش من معاشه الذي يتقاضاه نتيجة عمله في مصنع للسيارات. العلاقة بين النظام وهذا الشخص هي علاقة إستغلالية، لأن بكل بساطة مدير هذا المصنع لن يقل معاشه عن مئات أضعاف هذا العامل (التقدير مستوحى من دراسات حديثة) هذا إذا أردنا فقط أن نعمل مقارنة بسيطة من دون الدخول بتفاصيل فائض القيمة وغيرها من الأمور التقنية. لنفترض الأن بأن الإنسان "ب" يعمل بنفس المصنع مع العامل "أ" لكن سنضيف هنا العامل الجندري، بحيث سنعتبر "أ" رجلاً و"ب" إمرأة. يمكننا القول بأن "ب" تتعرض لنفس طبيعة الإستغلال من قِبَل هذا النظام لكن بدرجة أكبر نتيجة الواقع الأبوي المتلازم مع نمط الإنتاج الرأسمالي، وما يترتب عليه من ضغوطات تتعرض لها المرأة، كعدم المساواة في الراتب مثلاً بالرغم من قيامها بنفس الوظيفة (وهو أمر واقعي في كل الدول الرأسمالية "المتقدمة). لنفترض الأن شخص يُدعى "س" هاجر بطريقة غير قانونية إلى هذا البلد باحثاً عن عمل، درجة إستغلال هذا الشخص أكبر من الحالتين "أ" و "ب"، لكنها نفس البنية الإستغلالية وهنا نقدر أن نستمر ونفترض شخص مهاجر أخر لكنه إمرأة أو من لون بشرة مختلفة أو دين مختلف أو عرق … إلخ

بنية العلاقة الإستغلالية المرتبطة بالعامل بإختلاف ظروفه من جهة، وبرب العمل من جهة أخرى، متشابهة بنيوياً (self similarity) وإن إختلف المقياس صعوداً أو نزولاً (zoom in, zoom out) فهذا لن يؤثر على طبيعة هذه البنية وهيكلها الهندسي إذا صح التعبير، بل على درجة الإستغلال من حيث الكَم وليس النوع. من هنا مقاربتي الفراكتالية لبنية العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية.

خلاصة

المجتمعات البشرية هي جزء من الطبيعة، ودراسة حركة هذه المجتمعات وتطورها هو أمر معقد وليس بالسهل أبداً. كما أن المدارس التي تتناول العلوم الإجتماعية بشكل منفصل عن العلوم الطبيعية، هي مدارس يمكنها أن تُفسر بعض الظواهر الإجتماعية بشكل وصفي أو بمنهج تجريبي سطحي، يعتمد على مفاهيم كلامية لا تستند إلى أي معايير علمية. فهم حركة المجتمعات البشرية وبنيتها، كجزء من الطبيعة، يستدعي حتماً مرحلة من التجريد لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال أدوات علمية محددة. الهندسة الفراكتالية، نظرية علمية أثبتت فعاليتها في مقاربة الواقع في عدة مجالات، لكن إستخدام الأدوات العلمية لا يمكن فصله عن هدف هذا الإستخدام وخاصة إذا كان الأمر متعلق مباشرة بالمجتمعات البشرية. لذا، كماركسي أقول: على الفلسفة الماركسية أن تجدد أدواتها العلمية بإستمرار لتنتج معرفة هي وحدها الكفيلة ببناء واقع أفضل وأكثر إنسانية.

*هذه الرؤية ينقصها الكثير من البحث وهي لا تتعدى كونها مجرد إفتراض شخصي في الوقت الراهن

References

[1] Mandelbrot, B.B. (1982). The Fractal Geometry of Nature. W.H. Freeman and Compan

Ron Eglash, Toluwalogo B. Odumosu, “Fractal Complexity and Connectivity in Africa”, Rensselaer Polytechnic Institute, 2005 [2

[3] 2010 ,Clifford Brown and Larry Liebovitch, Fractal Analysis: Quantitative applications in the social sciences