التسويق العصبي: من الكوكاكولا إلى السياسة

لماذا نختار منتجاً تجارياً دون الأخر؟ ما هي العوامل التي تؤثر على قراراتنا في الشراء؟ وهل "العقلانية" هي دائماً سيدة الموقف؟
التسويق العصبي، مجال علمي حديث نسبياً، يهدف إلى الإجابة على هذه الأسئلة من خلال دراسة الدماغ البشري وإنفعلاته أثناء التسويق لمنتج معيّن (من خلال الإعلانات مثلاً). الفارق الأساسي بين هذه التقنية في التسويق والتقنيات القديمة هو إنها تحاول أن تؤثر مباشرةً على وعي المستهلك من خلال محاولة فهم آلية أخذ القرارات في الدماغ.

بيبسي vs. كوكاكولا

من أحد الأمثلة الشهيرة التي توضح لنا آلية عمل التسويق العصبي، هو الدراسة التي أجراها سامويل (Dr. Samuel McClure) وفريقه من جامعة هيوستن [1]. تهدف هذه الدراسة إلى معرفة العوامل التي تؤثر على تفضيل مشروب على آخر؛ في المرحلة الأولى، تم تقدمة نوعين من المشروب (بيبسي وكولا) إلى مجموعة من الأشخاص من دون إطلاعهم على النوع الذين يتذوقونه وفي المرحلة الثانية تم إطلاعهم على النوع قبل التذوق، وفي الحالتين تم دراسة إستجابة الدماغ بواسطة تقنية الرنين المغناطيسي (IRM).

Image1

صورة ١: نشاط الدماغ عند معرفة الماركة [1].

في الحالة الأولى، لم يكن هناك فارق كبير في تفضيل مشروب معيّن على أخر، وبالفعل، نتائج الرنين المغناطيسي أظهرت نفس القدر من الإشارات في نفس الجزء من الدماغ (الرجاء مراجعة الدراسة لمزيد التفاصيل العلمية). وهذا أمر طبيعي بحيث أن التركيبة الكيميائية لهذه المشروبات متقاربة جداً.

في الحالة الثانية (حيث تم الإفصاح عن العلامة التجارية قبل التذوق) تبيّن أن هناك أفضلية للكوكاكولا على البيبسي. ما تم ملاحظته هو عندما يعلم المتذوق الماركة وخاصة ماركة الكوكاكولا سيؤثر ذلك جذرياً على قراره. صور الرنين المغناطيسي أثبتت أن هناك أجزاء أخرى من الدماغ تنشط (صورة ١) عند معرفة ماركة الكوكاكولا وهذه الأجزاء من المعروف عنها أنها تتفاعل بقوة في لحظات القرارات والإنحياز [2] (biases behavior). هذا دليل واضح أن صيت العلامة التجارية يمكن أن يطغى على الجودة الفعلية للمنتج.

التسويق العصبي في السياسة

إذا كان التسويق العصبي أثبت فعاليته في مجال تسويق المنتجات التجارية فماذا عن السياسة؟ وخاصة إذا نظرنا إلى الأفكار والشخصيات السياسية على أنها سلع يتم تسويقها؟ هل دائماً الخيارات السياسية تكون “عقلانية”؟

من إحدى الدراسات الشهيرة في هذا المجال، هي الدراسة التي قام بها د. ويستن[3] (Drew Westen) أثناء الحملة الإنتخابية في الولايات المتحدة العام ٢٠٠٤، حيث تم تعريض عدد من الداعمين للحزب الجمهوري وعدد من الداعمين للحزب الديمقراطي إلى تقنية الرنين المغناطيسي وتم عرض مشاهد لشخصياتهم المفضلة (جورج بوش وجون كيري) وطُرح على المتطوعين عدد من الأسئلة التي تحفز كشف التناقضات في المواقف الرسمية لكل حزب. صُور الدماغ أثبتت نشاط المنطقة المتعلقة بالعواطف – emotions – presumably the amygdala and/or cingulate gyrus – عند المطالبة بإنتقاد الشخصية المفضلة وبالفعل معظم المتطوعين لم يقدروا أن يكتشفوا نقاط التناقض، والمناطق الدماغية المسؤولة عن التفكير الموضوعي (presumably the prefrontal cortex) لم تستجب خلال هذه الدراسة.

هنا تم إستعمال هذه التقنيات لتأكيد حقائق من الممكن أن تكون بديهية لدى البعض، لكن يمكننا إعتبار نتائج هذه الدراسة كدليل مادي وعلمي على أن العقلانية ليست دائماً سيدة الموقف في قراراتنا السياسية، طبعاً هذا من دون الدخول في العوامل التاريخية والإجتماعية التي رافقت هذه الدراسة.

خلاصة

ما تقوم به بعض الشركات العالمية الكبرى قبل التسويق لمنتجاتها، هو دراسة الإعلانات وعرضها على مجموعة من المتطوعين أثناء تعرضهم لأجهزة الرنين المغناطيسي وتعديلها لكي تؤثر على مناطق معينة من الدماغ لتجعل قرار المستهلك لصالحها.

أثبتت بعض الدراسات أيضاً أن بعض المنتوجات العالمية، كالماركة الشهيرة Apple تؤثر على نفس المنطقة من الدماغ التي تؤثر عليها الغيبيات والأديان، فاشراء بعض المنتوجات يتم نتيجة العادة ونتيجة عمل لاواعي يعبر عن “إعتناق” المستهلك للمنتج (الفيديو أدناه). السياسة والأيديولوجيا ونشر البروباغندا ليسوا خارج نطاق التسويق العصبي. بالطبع هذا لا يعني أن هذا المجال يمكن أن يفسر كل ميولنا وقراراتنا كا بشر، إلا أنه أثبت فعاليته في مقاربة الواقع بشكل موضوعي من خلاد دراسة الدماغ مباشرةً والبدء في فهم آليات أخذ القرارات التي تخص منتوجات تجارية أو خيارات سياسية، والفهم هو الخطوة الأولى والأساسية قبل محاولة التأثير والتوجيه في أي ظاهرة طبيعية وعلمية.

مصادر

[1] Samuel M. McClure et al., neural Correlates of Behavioral Preference for Culturally Familiar Drinks, Neuron, Vol. 44, 379–387, October 14, 2004, Copyright 2004 by Cell Press

[2] Davidson, R.J., and Irwin, W. (1999). The functional neuroanatomy of emotion and affective style. Trends Cogn. Sci. 3, 11–21

[3] Westen, D. (2008). The Political Brain: The Role of Emotion in Deciding the Fate of the Nation. Public Affairs, New York

المعايير المتبعة لتثبيت الأساتذة في الجامعة اللبنانية

Censorship2

أصدر وزير التربية والتعليم الواطي بياناً أقر فيه المعايير المتبعة لتثبيت الأساتذة في الجامعة اللبنانية، وقد جاء فيه ما يلي:

– على المرشح أن يتمتع بالحياة، بالطقس، بالطعام، بطبيعة لبنان الخلابة … لكن إذا كان لديه سوابق مطلبية وخاصة إذا كان مش مرتبط بولا زريبة .. إيه يا عيني عليه أن يتمتع بالصبر وأن ينتظر الفرج لعله يتثبت في الجنة والله أعلم.

– كل المرشحين الذين لديهم إنتاج علمي من دراسات في مجلات علمية إلى كتب ومؤتمرات وخبرة طويلة في التعليم مرحب بهم طبعاً .. لكن للصراحة كل هل تعفيس مش مهم .. أهم شي الأخلاق.

– لا مكان لي ما يسمى بالواسطة في هذا الصرح الأكاديمي .. هناك مكان للأرجلة، للتلطيش، للبعبصة ولأكل الهوا طبعاً.

– على المرشح أن يكون صاحب خيال واسع، يعني واسع لدرجة إنه شو ما صار لا بهش ولا بنش، ويجب أن يكون لديه القدرة على إمتصاص طموح الطلاب ودعس كل أحلامهم، خاصة تلك المتعلقة بوطن أفضل.

– لا مجال للمطالبة بتطوير البحث العلمي إلا في قطاع السياحة والسفر. إنه يعني من باب التشجيع على الهجرة، غير هيك كل واحد يبحث ببيته.

– لا تُقبل الطلبات الغير مرفقة بدعم معنوي من شي بغل طائفي أو شي زعيم حزب معفن  .. كل لي بدو يتبدأن ويعملي فيها وطني إيه يروح يتثبت عند إمو.

أخيراً عزيزي المرشح، إذا لم تتوفر لديك أي نقطة من النقاط المذكورة أعلاه، ننصحك بتقديم طلبك لستار أكاديمي ولك كل الدعم من وزارة التربية مباشرةً.

أفكار وملاحظات

matisse

جدلية الأخلاق والسياسة

الأخلاق كمفهوم، يتنوع بتنوع البنية الفكرية التي تنتجه، لذا ليس هناك من تعريف مطلق وموحد للأخلاق. هذه العلاقة الحتمية بالبنية الفكرية تُحتم العلاقة بالسياسة. فالسياسة هي مجموعة آليات عملية تُوضع في خدمة أيديولوجيا محددة. هذه الأيديولوجيا تُعرّف مجموعة معايير ومبادئ يمكن تسميتها بالأخلاق أو دعنا نقول بأن هناك تقاطع كبير بين أي أيديولوجيا وبين منظومتها الأخلاقية الخاصة بها والتي تؤثر في السياسة بشكل حتمي. لهذا، القول بأن السياسة منفصلة عن الأخلاق كالقول بأن الأخلاق كتلة واحدة ثابتة، منفصلة عن الأيديولوجيا، لا تتغير … وهذا غير صحيح أبداً.

قانون صراع الأضداد .. واقع موضوعي

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، إشتهرت مقولة جورج بوش الإبن في أوساط المثقفين والتي تقول بمعنى "من ليس معنا فهو ضدنا". طبعاً معظم هؤلاء عارض هذه المقولة بإعتبارها تحد من حرية التعبير وتجعل من الصراعات السياسية، صراعات ثنائية الأبعاد، لا مجال فيها لحرية الفكر. المشكلة ليست في البعد الثنائي لهذا المنهج، لأن صراع الأضداد هو واقع موضوعي أي لا يخضع لتقييم ذاتي، تماماً كأي قانون فيزيائي أو بيولوجي. المشكلة تكمن في تحديد الأضداد السائدة؛ في مقولة بوش مثلاً، يجب الإختيار بين نيوليبرالية تعتمد على نظام الغاب وبين إسلام أصولي تكفيري يعود بنا إلى ما قبل القرون الوسطى. هذه الأضداد التي يغذيها المسيطر لا تلغي قانون صراع الأضداد بقدر ما تشوه التعريف الموضوعي والعلمي لكل ما هو نقيض. لذا المشكلة هي في تحديد الأضداد التي تشكل محور كل فكر وحدوده وليست المشكلة في قانون صراع الأضداد نفسه.

تكوّن النقيض السياسي للبرجوازية

إن تكوّن النقيض السياسي للبرجوازية في المجتمعات التي عرفت فيها الأخيرة طوراً صاعداً، أي كانت فيها ثورية (أوروبا مثلاً)، هو أمر أسهل موضوعياً من المجتمعات التي لم تعرف فيه هذه الطبقة أي طور صاعد، كبلادنا العربية. لتوضيح ما أقصد "بالأسهل" سأذكر مثل الإنتخابات الرئاسية الأخيرة في فرنسا والإنتخابات النيابية في اليونان، حيث ما يسمى باليسار الراديكالي حقق تقدماً تاريخياً في سيرورة النضال الجماهيري (بالرغم من كل حملات التشويه التي شنها الإعلام وما زال، كالمقارنة الوقحة بين النيو نازية واليسار والتي تهدف إلى وضعهم بنفس الخانة وكأنهم يتماثلون فكريا"). يمكننا أن نلمس إمكانية إستعاب هذه الأنظمة لتكوّن قوى سياسية نقيضة لها وهذا أمر موضوعي أي بنيوي لا يخضع لقرارات ذاتية. بينما في بلادنا العربية، يمكننا أن نلاحظ شراسة الأنظمة، في مصر، سوريا، البحرين، اليمن وليبيا مثلاً، لصد أي محاولة جماهيرية يمكن أن تُشكل في المستقبل حركة سياسية يمكنها أن تهز عرش البرجوازيات التابعة. مما لا شك فيه، بأن سيرورة النضال أصعب في بلادنا، لكن التاريخ أثبت بأنه لا يخضع لقوانين المسيطر وحده وإن نجحت في تكبيله لفترة معينة.   

عندما يحلل الفاشستي …

يُحلل الفاشستي في سبب الأزمات تارةً وفي التاريخ تارةً أخرى وفي الحالتين يصل إلى نتيجة واحدة: العودة إلى الجذور ونبذ كل ما هو غريب ومختلف، لأن في الإختلاف تجدد وفي التجدد مقتله. يُبرر فاشيته ويقول لك كُن واقعيّ، من البداهة أن نحمي أنفسنا أولاً. تعصب لأمتك، وطنك، ثقافتك، دينك أو طائفتك، العصبية هي الحل، هي الضمان للبقاء. يُلونها، يُزخرفها، يُعطيها أسماءاً كثيرة، كالحفاظ على الديمقراطية، الهوية الوطنية أو القومية، الحضارة أو العيش المشترك. يشوّه الواقع، يعمل على إبراز نفسه بأنه معادي للسائد وهو في الواقع جانبه الأكثر ظلامية، هو رصاصته الأخيرة. ليس لديه أي مانع من أن يبخ سمومه في المجتمع، فهذا لا يتعارض مع منظومته الأخلاقية، لكن عندما تصفه بما هو عليه فعلاً وتعرّي أفكاره البغيضة، يتهمك فوراً بأنك غير أخلاقي ولا تحترم الرأي الأخر… فعلاً، عندما يتكلم الفاشستي، فليذهب الرأي الأخر وكل من يدافع عنه إلى الجحيم .. لهؤلاء مكان واحد يليق بهم: مزبلة التاريخ.

الهندسة الفراكتالية والمجتمعات البشرية

تعريف الهندسة الفراكتالية

الهندسة الفراكتلية أو الكسورية تهدف إلى دراسة الأشكال الهندسية المؤلفة من كُسَيْريات غير منتظمة ومعقدة والتي لا يمكن دراستها من خلال الهندسة الإقليدية الكلاسيكية. مصطلح الفراكتال مأخوذ من الكلمة اليونانية fractus أي الغير المنتظم والمكسور، إستعمله للمرة الأولى في الرياضيات الباحث الفرنسي الأمريكي من أصول بولندية، بينوا مانديلبرو (Benoit Mandelbrot) سنة 1974 والذي يُعتبر مؤسس الهندسة الفراكتالية [1].

أمثلة عن الأشكال الفراكتالية

من أهم خصائص الأشكال الفراكتالية هو تكرار بنيتها الهندسية (self similarity) إلى ما لا نهاية مهما إختلف المقياس (scale) مما يؤدي إلى تشابه الجزء للكل. من إحدى الأمثلة البسيطة عن الفراكتال هو ما يُسمى بمجموعة كانتور(cantor set)، حيث يمكننا أن نلاحظ في الرسم رقم ١، سلسلة عمليات الحذف من الخطوط المستقيمة. في كل مرحلة يتم حذف الثلث الأوسط من الخط ويتم تكرار هذا إلى ما لا نهاية.

cantor set

رسم ١: مجموعة كانتور

نلاحظ من الرسم رقم ١ التشابه الذاتي مهما إختلف المقياس، وكلما كررنا هذه العملية كلما زاد الرسم تعقيداً، بالرغم من بساطة العملية التي يتم تكرارها. وصف بنية هذا الرسم من خلال معادلات هندسية كلاسيكية، كالطول والمساحة هو أمر غير ممكن (لن ندخل بالتفاصيل الرياضية هنا وخاصة إنها لا تشكل الهدف الأساسي من الموضوع).

يمكننا أن نشاهد في الرسم٢ (إضغط على الصورة)، مثل أخر عن الهندسة الفراكتالية من خلال مقاربة شكل ندفة الثلج من خلال الإستعانة بمنحنى فون كوخ :

Von_Koch_curve رسم ٢: ندفة ثلج (koch snowflake)

هنا أريد أن أذكر ملاحظة بسيطة حول هذا المثل (رقم ٢) وقانون الدياليكتيك حول التحولات الكمية والكيفية. نلاحظ بأن من خلال مثلث بسيط ومن خلال تكرار عملية رياضية بسيطة، حصلنا على شكل معقد يقارب إلى حد بعيد شكل طبيعي معروف، والذي يمكننا إعتباره التحول الكيفي من بعد عدة تراكمات كمية..

الفيديو القصير التالي، يبرز عدة أمثلة عن الأشكال الفراكتالية الموجودة في الطبيعة :

 

فيديو ١:الفراكتال في الطبيعة

حسناً، الفراكتال مقاربة هندسية للطبيعة، من البكتيريا إلى المجرات. لكن ما فائدة كل هذا ؟

مقاربة الواقع الموضوعي من خلال معادلات رياضية يعني تملك هذا الواقع معرفياً، مما يسمح بإعادة إنتاجه في ظروف سهل التحكم بها وبالتالي التنبؤ بحركة تطوره وتغييرها إذا إقتضت الحاجة. ولا يجب أن ننسى خاصية التشابه في الفراكتال بحيث إذا فهمنا منطق شكل هندسي معيّن أو دينامية حركة معيّنة في مقياس محدد، يمكننا أن ننتج معرفة أعمق وأشمل عن هذه الحركة أو الشكل، من خلال إستعمال هذه الخاصية (أي التكرار والتشابه).

الفراكتال والمجتمعات البشرية

فيما يخص الفراكتال وعلاقته بالعلوم الإجتماعية، دراسات عديدة أُجريت، سنذكر بعضها هنا (لتكوين فكرة عامة فقط): دراسة حول تصرفات الفرد وديناميكية العلاقة مع محيطه[3]، أنظمة التنظيم الذاتي – [3] Self-Organization نخص بالذكر هنا العلاقة المستوحاة من مجتمع النمل والنحل (يمكننا معالجة هذا الموضوع المهم لاحقاً). مثل أخير عن بنية فراكتالية لمجتمع بشري، هو كيفية تنظيم القُرى لدى قبائل البا-إيلا (Ba-ila) الأفريقية. يمكننا أن نرى من خلال الرسم رقم ٣، صورة مأخوذة من الجو لقرية تعود لهذه القبيلة وبجانبها صورة توضح المقاربة الفراكتالية لهندسة هذه القرية (شكل التنظيم هذا لديه أسباب موضوعية متعلقة بعلاقة هذه القبيلة مع الطبيعة وبتأثير بعض الطقوس الروحانية):

Fractal_Ba_ilaرسم ٣: مقاربة فراكتالية لقرية قبيلة أفريقية[2] 

  • رؤية ماركسية

ما أود التركيز عليه أكثر هنا، هو العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية. الواقع الطبقي لهذه المجتمعات يُحتم وجود علاقات إستغلالية بين من يملكون وسائل الإنتاج وبين من لا يملكون إلا قوة عملهم، وهذه العلاقات تأخذ منحى أكثر تعقيداً عندما تتداخل عوامل أخرى تخص البنية الإجتماعية الفوقية كالطائفة أو الدين أو لون البشرة… لتوضيح العلاقة* بين الهندسة الفراكتالية وهذه العلاقات الإستغلالية سأتناول المثل التالي:

لنفترض بأن هناك فرد سنسميه هنا "أ"، يعيش في دولة رأسمالية متقدمة، ولنفترض بأن المدعو "أ" ينتمي إلى الطبقة العاملة، بحيث إنه يعتاش من معاشه الذي يتقاضاه نتيجة عمله في مصنع للسيارات. العلاقة بين النظام وهذا الشخص هي علاقة إستغلالية، لأن بكل بساطة مدير هذا المصنع لن يقل معاشه عن مئات أضعاف هذا العامل (التقدير مستوحى من دراسات حديثة) هذا إذا أردنا فقط أن نعمل مقارنة بسيطة من دون الدخول بتفاصيل فائض القيمة وغيرها من الأمور التقنية. لنفترض الأن بأن الإنسان "ب" يعمل بنفس المصنع مع العامل "أ" لكن سنضيف هنا العامل الجندري، بحيث سنعتبر "أ" رجلاً و"ب" إمرأة. يمكننا القول بأن "ب" تتعرض لنفس طبيعة الإستغلال من قِبَل هذا النظام لكن بدرجة أكبر نتيجة الواقع الأبوي المتلازم مع نمط الإنتاج الرأسمالي، وما يترتب عليه من ضغوطات تتعرض لها المرأة، كعدم المساواة في الراتب مثلاً بالرغم من قيامها بنفس الوظيفة (وهو أمر واقعي في كل الدول الرأسمالية "المتقدمة). لنفترض الأن شخص يُدعى "س" هاجر بطريقة غير قانونية إلى هذا البلد باحثاً عن عمل، درجة إستغلال هذا الشخص أكبر من الحالتين "أ" و "ب"، لكنها نفس البنية الإستغلالية وهنا نقدر أن نستمر ونفترض شخص مهاجر أخر لكنه إمرأة أو من لون بشرة مختلفة أو دين مختلف أو عرق … إلخ

بنية العلاقة الإستغلالية المرتبطة بالعامل بإختلاف ظروفه من جهة، وبرب العمل من جهة أخرى، متشابهة بنيوياً (self similarity) وإن إختلف المقياس صعوداً أو نزولاً (zoom in, zoom out) فهذا لن يؤثر على طبيعة هذه البنية وهيكلها الهندسي إذا صح التعبير، بل على درجة الإستغلال من حيث الكَم وليس النوع. من هنا مقاربتي الفراكتالية لبنية العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية.

خلاصة

المجتمعات البشرية هي جزء من الطبيعة، ودراسة حركة هذه المجتمعات وتطورها هو أمر معقد وليس بالسهل أبداً. كما أن المدارس التي تتناول العلوم الإجتماعية بشكل منفصل عن العلوم الطبيعية، هي مدارس يمكنها أن تُفسر بعض الظواهر الإجتماعية بشكل وصفي أو بمنهج تجريبي سطحي، يعتمد على مفاهيم كلامية لا تستند إلى أي معايير علمية. فهم حركة المجتمعات البشرية وبنيتها، كجزء من الطبيعة، يستدعي حتماً مرحلة من التجريد لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال أدوات علمية محددة. الهندسة الفراكتالية، نظرية علمية أثبتت فعاليتها في مقاربة الواقع في عدة مجالات، لكن إستخدام الأدوات العلمية لا يمكن فصله عن هدف هذا الإستخدام وخاصة إذا كان الأمر متعلق مباشرة بالمجتمعات البشرية. لذا، كماركسي أقول: على الفلسفة الماركسية أن تجدد أدواتها العلمية بإستمرار لتنتج معرفة هي وحدها الكفيلة ببناء واقع أفضل وأكثر إنسانية.

*هذه الرؤية ينقصها الكثير من البحث وهي لا تتعدى كونها مجرد إفتراض شخصي في الوقت الراهن

References

[1] Mandelbrot, B.B. (1982). The Fractal Geometry of Nature. W.H. Freeman and Compan

Ron Eglash, Toluwalogo B. Odumosu, “Fractal Complexity and Connectivity in Africa”, Rensselaer Polytechnic Institute, 2005 [2

[3] 2010 ,Clifford Brown and Larry Liebovitch, Fractal Analysis: Quantitative applications in the social sciences

في نقد اليسار في لبنان (١)

في النقد

لا يمكن فصل النقد عن الناقد، حتى ولو كان النقد موضوعياً. للناقد بنية فكرية ينتمي إليها، منها ينطلق في النقد ولصالحها، لهذا من السطحية الإعتقاد بإمكانية الفصل هذه.

من ناحية أخرى، إذا كان النقد موضوعياً، أو يلامس جزء من الواقع الموضوعي، من السذاجة عدم الإكتراث له وخاصة من المعنيين في هذا النقد، لكن إذا كان الناقد ينتمي إلى بنية فكرية مختلفة، على المعنيين إعادة إنتاج النقد من موقع النقيض الفكري للناقد، في محاولة لوضع حلول عملية للمشكلة المطروحة بدل من التصفيق والترويج لنقد وصفي، غير علمي، لا يعالج جذر المشكلة.

واقع الأحزاب اليسارية

من الواضح بأن لا يوجد أحزاب ثورية في لبنان، هناك دكاكين تبيع كليشهات الثورة وتتاجر بها. مقاربتي لهذه الأحزاب لا تختلف كثيراً عن مقاربتي للأنظمة العربية السائدة؛ منظومات سياسية ترفع رموز براقة وتحتكرها لتؤبد واقع يصب في مصلحتها. التيار السائد داخل هذه الأحزاب وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني، هو تيار يمثّل الخط السياسي والأيديولوجي للبرجوازيات العربية بشكل عام ببعدها الأيديولوجي القومي الكلاسيكي. هذا النهج، المسيطر منذ عقود والذي تعزز بالعقدين الأخيرين بدعم من أنظمة البرجوازيات العربية (خاصة النظام السوري) هو الذي يحدد المصلحة الطبقية لهذه الأحزاب “الإصلاحية” ويحتّم عدم ثوريتها.

واقع القاعدة اليسارية

لا يمكن فصل المشاكل التي تعاني منها القاعدة اليسارية في لبنان عن واقع أحزابها المهترئة وعن واقع البنية الإجتماعية اللبنانية بشكل عام. أحد أبرز ما يميّز هذه البنية هو ما يسمى بالنفاق الإجتماعي الشمولي السائد، ومن أهم خصائص هذه الظاهرة هو الأيديولوجية اللفظية التي تتغنى بالأخلاق والمبادئ، شيوعية كانت، دينية أو ليبرالية، لا يهم. المهم هو إنها أيديولوجية لا تُمارس عملياً من قبل القاعدة المعنية إلاّ في إطارها اللفظي وفي إطار بعض العادات والتقاليد الشكلية. أغلب الذين يعانون من هذه المشكلة يستميتون بالدفاع عن أحزابهم، إمّا من باب الإستفادة المباشرة أو من باب الجهل أو من باب الحنين إلى ماضي مشرّف.

على صعيدٍ أخر، التيار المعارض في أوساط اليسار يمكن تقسيمه إلى فريقين؛ فريق يعتقد بأن التغيير يجب أن يأتي  من خلال الأحزاب السائدة نفسها، بعد القيام بعملية إصلاحية شاملة، وفريق أخر (أؤيده الرأي)، يدعو إلى دفن هذه الأحزاب والعمل على خلق حركات ثورية تستقي برامجها من خلال الإحتكاك بواقع الطبقة التي يدافعون عنها. هذا الإختلاف بالآليات هو إختلاف جيّد، على أن لا يتحول إلى أداة جديدة لتكريس الإنقسامات في صفوف القاعدة.

خلاصة (١)

الترويج لنصوص نقدية ومفاهيم تم إنتاجها في بُنى فكرية معادية للموقع الطبقي لليسار لا يصب في خانة النقد العلمي وإنما في خانة اليأس والتفتيش عن حلول بإستعمال أدوات معرفية هي بذاتها تتناقض مع الهدف الذي نسعى من أجله.

على صعيدٍ أخر، يجب معالجة المشاكل والظواهر الإجتماعية السائدة في صفوف القواعد اليسارية كجزء لا يتجزأ من مشاكل البنية الإجتماعية للنظام اللبناني مع الحرص على عدم الإنجرار إلى لعب دور الواعظ الأخلاقي. الإختلافات الثانوية لا يجب أن تتحول إلى معارك جانبية لا تنتهي، الأفراد في المجتمعات البشرية كالسنونو؛ لن يصلوا إلى هدفهم منفريدين، الطريقة الوحيدة للوصول هي التنظيم الجماعي. هذا القانون البيولوجي-الفيزيائي ينطبق على النضال السياسي وعلى عملية إنتاج حلول وأفكار لوضع خطط عملية تساهم بالوصول إلى الهدف.

“الشعب” مصطلح مائع بحاجة إلى تصويب

Shadr-stone-proletariat

لا يخلو خطاب أي مسؤول سياسي في البلاد العربية أو غيرها من كلمة “شعب” والتي تأتي غالباً في إطار تفخيمي؛ كلهم من دون إستثناء يريدون مصلحة الشعب، العظيم طبعاً!

لفهم ما المقصود من هذا المصطلح الشهير يجب أن نعود إلى الخلفية الفكرية لمستخدميه. فالشعب، بعكس ما يعتقد البعض، مصطلح يحتمل عدة تأويلات .

– في لبنان مثلاً، غالباً ما يخاطب الزعيم طائفته من خلال كلمة شعب، التي يحرص على تمثيلها سياسياً كطائفة وليس كجزء من الشعب بالمعنى الوطني الجامع وإن إستعمل مصطلحات مثل “العيش المشترك” و”إخواننا في الوطن” وما إلى هنالك من خزعبلات.

– في ثقافة الأنظمة العربية السائدة، أنظمة العائلة المقدسة، ينحصر عندها مفهوم الشعب بالتبعية لهذه العائلة وحزبها الحاكم، وكل من يخرج عن بوتقة الحزب لا ينتمي للشعب وسيتعرض حتماً لحملات شتم وتخوين.

– التيارات الإسلامية السائدة في البلدان العربية (تيارها الأساسي المتمثل بالإخوان المسلمين)، الوجه الأخر للأنظمة البائدة أو التي في طريقها إلى السقوط، يرتبط مفهوم الشعب عندها بكل من يقبل بالشريعة الإسلامية كقانون إلهي يُسيّر المجتمع. كل من يعترض فهو كافر أو زنديق.

القاسم المشترك بين جميع هذه التيارات الفكرية هو بنيتهم الإقتصادية المتماهية مع السياسات النيوليبرالية. مما يؤمن إستمرارية الواقع الحالي المتخلف في البلاد العربية،حيث التخلف كمفهوم مرتبط مادياً بواقع إنتاجي تبعي وغير منتج. نتيجة هذا الواقع تحديداً، إندلعت الثورات العربية معلنةً تفجير التناقضات الداخلية وإنطلاق سيرورة ثورية لا نشهد إلاّ بداياتها الأن.

– على صعيدٍ أخر، في أوروبا، العلاقة بين المواطن والدولة لا تمر عبر الطائفة أو الحزب أو العائلة بل عبر مجموعة قوانين ومؤسسات. عندما يخاطب مسؤول سياسي الشعب يقصد كل من هو حائز على جنسية البلد المعني، حيث الجميع لديهم نفس الحقوق والواجبات في إطار ما يُسمى بالمواطنة. لكن لا يجب أن ننسى بأن الشعب هنا – في هذا السياق – هو جوهر قائم بذاته؛ أي أن كل التناقضات الموضوعية بين فئات هذا الشعب تُلتغى أو تُميّع وهنا المشكلة. المواطنة تعكس جزء من البعد الإجتماعي والسياسي لعلاقة الفرد بالمجتمع، لكن لا يكتمل تحديدها الموضوعي إلا بتحديد واقع بنيتها الإنتاجية. إنها تُفرّغ من بعدها العلمي والإنساني عندما لا تأخذ بعين الإعتبار الفروقات الطبقية بين أفراد المجتمع.

في فرنسا مثلاً، ساركوزي الذي يمثل تيار من اليمين الفرنسي، يخاطب شعبه كرئيس شركة خاصة يُريد إقناع الموظفين بأن سبب الأزمة المالية هو ضعف الإنتاج الذي يتحملون هم مسؤوليته (أي شعبه)، وفي المقابل يُجرد الفرنسيين من مكتسباتهم الإجتماعية لمصلحة البنوك والشركات الإحتكارية. هذه المكتسبات أتت نتيجة نضالات وتضحيات الطبقات الشعبية وعلى رأسها الطبقة العاملة. بإسم المواطنة، يحرص على وضع دليل "كيف تكون فرنسياً جيداً" من خلال إثارته عدة قضايا تبرز التناقضات الثانوية بين المواطنين لإستكمال عملية النهب الممنهج، التي يرأسها هو لمصلحة الألغارشية الفرنسية.

الخلاصة

أي خطاب يتوجه إلى الشعب، أي شعب، يهمل التناقضات الطبقية هو خطاب مشبوه. الخطاب السياسي تُحركه خلفية أيديولوجية محكومة ببنيتها الفكرية. مصطلح شعب تحديداً، هو مصطلح مائع ما لم يتم ربطه ببنية فكرية معينة. لذا من يدّعي الحرص على حق الشعوب، عليه أن يكون حريصاً بالدرجة الأولى على إزالة مسببات العلاقات الإستغلالية في المجتمعات البشرية. من المستحيل أن يتم هذا الأمر، إلاّ برؤية طبقية لهذه المجتمعات وإنحياز تام للطبقات المُستَغَلة لتحصيل حقوقها، هذا الإنحياز يُترجم سياسياً من خلال وضع آليات عملية لتحصيل هذه الحقوق من ناهبّي الثروات ومتسلّقي الثورات، هؤلاء لا ينتمون إلى أي شعب أو عرق أو وطن أو دين؛ منطق رأس المال هو محركهم وإلههم الواحد أحد.

لا يعوّل عليه

kandinsky2 kandinsky

– إن لم يكن الحقد طبقياً، فهو حقدٌ من أجل الحقد، لا يعوّل عليه.

– إن بقيّ الفكرُ أسيراً للأضداد السائدة، فهو فكرٌ سلبيٌ، لا يعوّل عليه.

– إن لم يقود الدولة عمّالها وصانعّي خيراتها، فهي عصابة سرقة، لا يعوّل عليها.

– الفكر الذي يستكين بحجة أن المطلق لا ولن يُدرَك، هو فكرٌ رجعيّ، لا يعوّل عليه.

– المنهج الذي يستقي من البديهيات معاييره، هو هو المنهج السائد، لا يعوّل عليه.

– كل فكر يحتكر العلمية، هو فكر عشائري، لا يعوّل عليه.

– التعميم في غياب المطلق النسبي، هو غباء، لا يعوّل عليه.

– الحزب "الثوري" الذي يتقمص أمراض السائد، هو حزب ميّت، لا يعوّل عليه.

– كل فكر تغييري لا يعيّ صراع الأضداد، هو فكرٌ هلاميّ، مصيره اليأس من الواقع، لا يعوّل عليه.

– الفكر الذي يبقى في فضاء الفكر ولا يحفر في الواقع ليجدد مفاهيمه وأدواته النظرية والمادية، هو فكر من أجل الفكر، لا يعوّل عليه.